أرقام ودلالات.. "بنات لالة منانة" يتصدر بالتوقيت.. و"شكون كان يقول" ينتصر بالاختيار

أرقام ودلالات.. "بنات لالة منانة" يتصدر بالتوقيت.. و"شكون كان يقول" ينتصر بالاختيار

أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة

في موسم رمضاني تتداخل فيه مؤشرات المشاهدة مع الإيقاع اليومي للمغاربة، يفرض مسلسلا "شكون كان يقول" لمخرجته صفاء بركة و"بنات لالة منانة" لمخرجه شوقي العوفير حضورهما في صدارة السباق التلفزيوني، كلٌّ ضمن قناته، لكن بمنطقين مختلفين في تحقيق هذا التفوق.

 وبين عمل يتصدر قائمة القناة الأولى رغم برمجته في توقيت يتقاطع مع صلاة التراويح، وآخر يهيمن على نسب المشاهدة عبر القناة الثانية مستفيداً من لحظة الإفطار التي تمثل ذروة المشاهدة الجماعية، تتجاوز الأرقام بعدها الكمي لتطرح سؤالاً أعمق: هل يُصنع النجاح بقوة التوقيت، أم بقدرة العمل على جذب المشاهد خارج شروطه الزمنية؟

فمن زاوية القراءة التقليدية لنسب المشاهدة التلفزيونية، يبدو التفوق واضحاً لصالح "بنات لالة منانة"، الذي نجح في تجاوز عتبة العشرة ملايين مشاهد، محققاً حصص مشاهدة مرتفعة تقترب من نصف الجمهور التلفزي تقريباً. غير أن هذا التفوق لا يمكن عزله عن عنصر حاسم يفسر جزءاً كبيراً منه، وهو توقيت البث. إذ يُعرض العمل مباشرة خلال فترة الذروة (موعد الإفطار)، وهي اللحظة الأكثر استقراراً من حيث تجمع الأسر المغربية حول الشاشة، حيث تتحول المشاهدة إلى طقس جماعي يومي شبه ثابت، تذوب فيه الفوارق الفردية لصالح حضور جماعي مكثف، ما يمنح أي عمل يُبث في هذا التوقيت قاعدة مشاهدة واسعة بشكل شبه تلقائي.

في المقابل، يعرض "شكون كان يقول" ضمن سياق مختلف تماماً. فاختياره البرمجي يضعه في مواجهة مباشرة مع فترة تتزامن مع موعد صلاة التراويح، وهي فترة تعرف بطبيعتها انخفاضاً ملحوظاً في عدد المشاهدين المتاحين أمام الشاشة. ورغم هذا المعطى البنيوي غير المواتي، يحقق المسلسل أرقاماً عالية تقارب ثمانية ملايين مشاهد، وهي أرقام تكتسب قيمة تحليلية أكبر عند ربطها بسياقها الزمني، إذ تعكس قدرة العمل على استقطاب نسبة مهمة من جمهور محدود أصلاً، ما يعني أن معدل الجذب الحقيقي لديه أعلى مما توحي به الأرقام المطلقة.

هذا التباين بين العملين يصبح أكثر وضوحاً عند الانتقال إلى المنصات الرقمية، حيث تتحرر المشاهدة من قيود الزمن وتصبح خاضعة بالكامل لاختيار الفرد. هنا تتغير موازين القوة، إذ يتقدم "شكون كان يقول" بشكل لافت على "بنات لالة منانة" من حيث نسب المشاهدة عبر منصة يوتيوب، حلقة بعد أخرى، وهو مؤشر لا يمكن قراءته إلا باعتباره تفسيرا منطقيا عن طلب حقيقي غير مشروط بالتوقيت. فالمشاهد في هذه الحالة لا يشاهد لأن الظرف يفرض ذلك، بل لأنه اختار العمل بإرادته وفي الوقت الذي يناسبه.

ومن خلال هذه الازدواجية بين الشاشة التلفزية والمنصات الرقمية، تتشكل مفارقة دقيقة تكشف جوهر المشهد: "بنات لالة منانة" يهيمن داخل منطق المشاهدة الجماعية المرتبطة باللحظة الزمنية، بينما يثبت "شكون كان يقول" حضوره ضمن منطق المشاهدة الفردية القائمة على الاختيار الحر. الأول يستفيد من قوة التوقيت، والثاني يراكم قوة المحتوى.

وعليه، فإن قراءة هذه الأرقام قراءة تقنية دقيقة لا تقف عند حدود من تصدر ومن تراجع، بل تتجاوز ذلك إلى فهم طبيعة هذا التفوق. فالتفوق الذي يتحقق في لحظة ذروة جماعية لا يحمل نفس الدلالة التي يحملها التفوق الذي يصمد في ظرف زمني صعب ثم يمتد ليؤكد نفسه خارج قيود البث. وفي هذا المعنى، يبدو أن "شكون كان يقول" لا ينافس فقط داخل شبكة البرامج، بل يعيد تعريف موقعه خارجها أيضاً، مستنداً إلى علاقة أكثر مباشرة ووعياً مع جمهوره.

في النهاية، نحن أمام عملين متصدرين كل في موقعه، لكنهما يمثلان نموذجين مختلفين تماماً للنجاح: نجاح مدفوع بقوة الظرف، وآخر مدعوم بقوة الاختيار. وبينهما، تتكشف صورة أدق للمشهد الدرامي، حيث لم تعد الأرقام وحدها كافية، بل أصبحت بحاجة دائمة إلى قراءة تضعها في سياقها الحقيقي.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة