بكل جرأة.. هشام الجباري يكشف أعطاب الدراما المغربية في رمضان ويقترح بدائل لاستعادة ثقة الجمهور (فيديو)
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
مع حلول كل موسم رمضاني، يتجدد النقاش حول واقع الدراما المغربية، خاصة في ظل موجة انتقادات واسعة يعبّر عنها الجمهور، بسبب ما يُسجل من تراجع في جودة بعض الأعمال، وغياب روح التجديد، إلى جانب هيمنة النمطية في المواضيع والمعالجات.
وبين إكراهات الإنتاج وضيق الزمن، وخيارات البرمجة، وضعف الكتابة في بعض الأحيان، تطرح تساؤلات ملحّة حول أسباب هذه الاختلالات، ومدى قدرة الإنتاج الوطني على استعادة توهجه والاستجابة لانتظارات مشاهد مغربي بات أكثر وعياً وصرامة في اختياراته.
للإجابة على كل هذه التساؤلات، أجرى موقع "أخبارنا" حوارا خاصا مع المخرج المغربي "هشام الجباري"، الذي قدّم قراءة تحليلية لواقع الدراما المغربية، متوقفاً عند مجموعة من الإشكالات البنيوية التي تؤثر على جودة المنتوج الرمضاني.
في هذا السياق، أوضح الجباري أن العمل الرمضاني بطبيعته يظل مرهقاً للغاية، بالنظر إلى كونه موسماً سنوياً يتطلب جهداً متواصلاً في فترة زمنية محدودة، ما يجعل صناع الأعمال أمام ضغط كبير ينعكس أحياناً على جودة المنتوج النهائي. وأضاف أن تقارب مواعيد تصوير الاعمال الرمضان خلال السنوات الأخيرة زاد من حدة هذا الضغط، حيث لم يعد هناك متسع كافٍ للتحضير الجيد، خاصة في ما يتعلق بمراحل ما بعد التصوير، من مونتاج ومعالجة تقنية، والتي يتم إنجازها في كثير من الأحيان بشكل متسارع، ما يؤدي إلى ظهور بعض الأعمال بشكل غير مكتمل.
وأشار الجباري إلى أنه شخصياً لم يتابع بشكل مكثف كل الأعمال الرمضانية لهذه السنة، بحكم انشغاله بمشاريع أخرى، من بينها فيلم سينمائي اشتغل عليه بدعم من المركز السينمائي المغربي، إلى جانب مسلسل مختلف مكون من عشر حلقات، إلا أنه، من خلال ما وصله من ردود فعل، يلاحظ وجود تفاوت كبير في المستوى، حيث برزت بعض الأعمال المقبولة في مقابل أخرى تعرضت لانتقادات حادة.
ومن بين أبرز الإشكالات التي توقف عندها ضيف "أخبارنا"، مسألة النمطية، حيث اعتبر أن الدراما المغربية ما تزال تدور في فلك نفس المواضيع، خصوصاً الاجتماعية منها، دون جرأة كافية للانفتاح على أنماط أخرى. وأكد الجباري أن المشكلة لا تكمن في الدراما الاجتماعية في حد ذاتها، بل في تكرار نفس القوالب والمعالجات، داعياً إلى تنويع العرض الدرامي من خلال الاشتغال مثلا على أعمال بوليسية، وتاريخية، ورومانسية..، وغيرها من الأجناس التي من شأنها كسر الرتابة وتقديم محتوى مختلف يلبي انتظارات الجمهور.
وفي حديثه عن الهوية، شدد الجباري على ضرورة الحفاظ على الخصوصية المغربية داخل العمل الدرامي، موضحاً أن "مغربة" العمل لا يعني بالضرورة تقديمه بشكل تقليدي، بل يكمن في صدق الشخصيات وطريقة تفكيرها وتفاعلها مع الأحداث، سواء من حيث اللغة أو السلوك أو العلاقات الأسرية.
كما أبرز المتحدث ذاته أن لكل مجتمع خصوصياته التي تميزه، وأن استنساخ نماذج أجنبية، سواء كانت تركية أو غيرها، يفقد العمل روحه، لأن ردود الفعل الإنسانية مرتبطة بالثقافة والبيئة، وهو ما يجب أن ينعكس في الكتابة والإخراج والأداء.
إلى جانب ذلك، تطرق الجباري أيضا إلى إشكالية الأجزاء المتعددة لبعض الأعمال، معتبراً أن نجاح عمل معين لا يعني بالضرورة إمكانية تمديده إلى مواسم إضافية، ما لم يكن ذلك مبنياً منذ البداية على تصور درامي واضح. وميّز في هذا السياق بين "السلسلة" التي تقوم على شخصية أو شخصيات تعيش مواقف مختلفة ويمكن أن تمتد لعدة مواسم، و"المسلسل" الذي تكون قصته محددة وله بداية ونهاية، مؤكدا أن تجربته في "سلمات أبو البنات" كانت مبنية منذ البداية على تصور يمتد لخمسة أجزاء لا أقل ولا أكثر، وفق تطور منطقي للشخصيات عبر مراحل عمرية مختلفة، محذراً من الوقوع في فخ استغلال النجاح التجاري لإنتاج أجزاء إضافية تفتقر إلى العمق.
ولم يغفل الجباري الحديث عن إشكالية البرمجة، حيث انتقد عرض بعض الأعمال (حلقة أو حلقتين كل أسبوع) خلال رمضان، معتبراً أن ذلك يربك المشاهد ويفقده متعة التتبع، داعياً إلى التفكير في صيغ عرض بديلة، مثل الحلقات اليومية، التي تتيح بناء علاقة أقوى بين الجمهور والعمل. كما أشار إلى التحول الذي فرضته المنصات الرقمية، والتي منحت المشاهد حرية أكبر في اختيار ما يشاهده وتوقيت المشاهدة، وهو ما يفرض على القنوات التقليدية إعادة النظر في استراتيجياتها.
في مقابل هذه الانتقادات، نوه الجباري بعدد من الأسماء الفنية التي اعتبرها متميزة، من بينها الممثل عادل أبا تراب، الذي وصفه بالفنان القادر على التنقل بسلاسة بين الكوميديا والدراما، وتجسيد شخصيات مختلفة بصدق كبير، معتبراً أن هذا النوع من الممثلين يحتاج إلى مخرجين قادرين على استثمار إمكانياتهم. كما أشاد أيضا بالممثلة هند السعديدي، مبرزاً شغفها الكبير بالتمثيل وقدرتها على الغوص في تفاصيل الشخصيات، وهو ما ينعكس على قوة أدائها وصدقه.
وختم الجباري حديثه بالتأكيد على أن إصلاح الدراما المغربية يمر عبر الجرأة في الطرح، والتخطيط الجيد، واحترام ذكاء المشاهد، إلى جانب تنويع المواضيع والاهتمام بجودة الكتابة والمعالجة، معتبراً أن الجمهور المغربي لم يعد ذلك المتلقي البسيط، بل أصبح يقارن الإنتاج الوطني بنظيره العالمي، ما يفرض الارتقاء بالمستوى لمواكبة هذه التحولات.
