صفاء بركة لـ"أخبارنا".. تتويجي بمكناس محطة في مسار طويل لا يتوقف وطموحي الأكبر يتجه نحو السينما
أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
أسدل الستار، مساء الثلاثاء 7 أبريل 2026، على فعاليات الدورة الخامسة عشرة من مهرجان مكناس للدراما التلفزية، الذي نظمته جمعية العرض الحر، وسط أجواء احتفالية عكست حيوية المشهد الدرامي المغربي وتنوع إنتاجاته.
وعرفت هذه الدورة عدة تتويجات مستحقة، لعل أبرزها جائزة أحسن إخراج التي منحتها لجنة التحكيم مناصفة بين مسلسل “عش الطمع” للمخرج أيوب لهنود، ومسلسل “شكون كان يقول” للمخرجة صفاء بركة.
ولمعرفة تفاصيل أكثر حول هذا التتويج، كان لموقع "أخبارنا المغربية" حوار خاص مع المخرجة صفاء بركة، كشفت من خلاله عن كواليس هذا التتويج ورؤيتها الفنية وطموحاتها المستقبلية، فكان الحوار التالي:
ماذا يمثل لك هذا التتويج في مهرجان له وزن كبير على الساحة الوطنية؟
هذا التتويج يمثل بالنسبة لي لحظة اعتراف حقيقية بالعمل الجاد والاجتهاد الذي بُذل في إخراج مسلسل “شكون كان يقول”. وهو عمل انطلقت فيه منذ مرحلة الفكرة، التي قمنا بتطويرها وبلورتها رفقة خلية الكتابة، بهدف تقديم نوع سردي جديد للمشاهد المغربي، يصنف ضمن الدراما الاجتماعية، ولكن بطابع بوليسي.
حيث يجمع العمل بين جريمة، ومشتبه فيهم، وتحقيق يتعمق في نسيج درامي اجتماعي قوي، بشخصيات متعددة الأبعاد، استطاعت أن تخلق تفاعلاً كبيراً مع الجمهور، بين التعاطف والبكاء أحياناً، والرفض أو النفور أحياناً أخرى.
إن تتويج المسلسل بعد عرضه يحمل قيمة رمزية كبيرة، لكونه جاء من مهرجان له مكانته ووزنه في الساحة الفنية. فهو لا يمثل مجرد جائزة، بل يشكل تأكيداً على أن الرؤية الفنية التي اشتغلت عليها قد وصلت إلى المتلقي وإلى لجان التحكيم. وهذا في حد ذاته يشكل بالنسبة لي دافعاً قوياً للاستمرار، وتقديم أعمال أكثر نضجاً وعمقاً في المستقبل.
هل تشعرين أنكِ أُنصفتِ بعد سنوات من العمل؟
أعتقد أن مفهوم “الإنصاف” في المجال الفني يظل نسبياً، لأن هذا المجال بطبيعته قائم على التراكم والتجربة المستمرة. بالنسبة لي، الإنصاف الحقيقي لا يأتي فقط من الجوائز، بل يبدأ أولاً من الجمهور. فتفاعل الجمهور مع العمل، وارتباطه بالشخصيات، وانخراطه في القصة، هو المقياس الأصدق لنجاح أي تجربة فنية. حين يشعر المشاهد بأن العمل يلامسه ويعكس جزءاً من واقعه أو مشاعره، فهذا في حد ذاته اعتراف حقيقي بقيمة ما يُقدَّم. أما الجوائز، فهي تأتي لاحقاً كتتويج لهذا التفاعل، وترجمة مؤسساتية لهذا النجاح الجماهيري.
كما أن هذا التتويج ليس الأول في مساري بمهرجان مكناس، حيث سبق لي أن حظيت بالجائزة الكبرى عن الفيلم التلفزي “كوكو لبنات”، وهو عمل من كتابتي وإخراجي. لذلك أتعامل مع هذه اللحظات ليس باعتبارها “إنصافاً” نهائياً، بل كمحطات مهمة ضمن مسار طويل، تمنحني دفعة معنوية للاستمرار، وتحفزني على تقديم أعمال أكثر صدقاً وعمقاً في المستقبل.
ما هي طموحاتك المستقبلية؟
طموحي هو الاستمرار في تطوير لغتي السينمائية، وخوض تجارب أكثر جرأة وعمقاً، سواء على مستوى المواضيع التي أتناولها أو على مستوى الشكل الفني الذي أشتغل عليه. أسعى إلى تقديم أعمال تحمل بعداً إنسانياً أعمق، وتلامس قضايا قريبة من الإنسان، مع الحرص على البحث الدائم عن أشكال سردية جديدة ومختلفة.
كما أطمح إلى التوجه أكثر نحو السينما، لأنني أؤمن أن المشروع السينمائي يظل الفضاء الأوسع للتعبير عن رؤية فنية خالصة. فمهما حقق المخرج من نجاح في الأعمال التلفزيونية، يبقى طموحه الأكبر هو السينما، لما توفره من حرية أكبر ومساحة أرحب للاشتغال على التفاصيل الجمالية والفكرية، بعيداً عن بعض القيود التي تفرضها طبيعة الإنتاج التلفزيوني. عمومل، السينما بالنسبة لي ليست فقط وسيلة تعبير، بل هي فضاء لاختبار الذات الفنية، والبحث عن صوت خاص، ورؤية شخصية يمكن أن تُعبَّر عنها بكل صدق وعمق.
كيف تقيمين مستوى الدراما المغربية اليوم؟
الدراما المغربية تعيش اليوم مرحلة مهمة من التطور، سواء على مستوى الإنتاج أو تنوع المواضيع. هناك مجهودات واضحة لتقديم أعمال أقرب إلى الواقع وأكثر جرأة في الطرح. بطبيعة الحال، ما زالت هناك تحديات، خاصة على مستوى الكتابة وتطوير النصوص، لكنني أرى أن هناك وعياً متزايداً بضرورة الارتقاء بالجودة، وهو ما يبشر بمستقبل واعد إذا تم الاستثمار أكثر في التكوين وفي دعم الكفاءات.
وفي ختام هذا الحوار، توجهت صفاء بركة بخالص عبارات الشكر والتقدير لشركة الإنتاج “ديسكونيكتد”، في شخص كل من خالد النقري ونجاة قوبي، على الثقة التي وضعتها فيها من خلال إسناد إخراج عدد من الأعمال الناجحة لها، مؤكدة أن هذه الثقة شكلت دعامة أساسية في مسارها المهني. وأضافت أن الشركة وفرت ظروفاً مثالية للعمل، سواء لفائدة الممثلين أو الطاقم التقني والفني، وهو ما ساهم في إنجاح المشاريع وتحقيق جودة فنية عالية انعكست على النتائج والتفاعل الإيجابي للجمهور.
وفي المحصلة، هذا التتويج لم يكن مجرد لحظة تكريم للمخرجة صفاء بركة، بل يعكس أيضاً تحسناً ملحوظاً في مستوى الدراما المغربية وتنوع موضوعاتها، ما يشير إلى مرحلة واعدة تنتظر المشهد التلفزيوني بالمغرب. وتوضح بركة في حديثها أن هذا النجاح يشكل حافزاً للاستمرار في تقديم أعمال أكثر صدقاً وعمقاً، تحمل رؤية فنية واضحة وقادرة على لمس الجمهور، مع الحرص على تطوير لغتها السينمائية وتجربة أشكال سردية جديدة، سواء في التلفزيون أو السينما.
يشار إلى أن هذه الدورة عرفت تتويج عدد من الأعمال التي بصمت على حضور قوي، من بينها تتويج مسلسل “شكون كان يقول” و“عش الطمع”، إلى جانب فوز “ليلي طويل” بجائزة السيناريو، وتتويج السلسلة الكوميدية “المرضي”، فيما عادت الجائزة الكبرى في فئة الأفلام التلفزية لفيلم “الحب المر”، مع تتويج طارق الإدريسي بجائزة الإخراج عن فيلم “نصيب”، إضافة إلى توزيع جوائز التمثيل بين عدد من الأسماء البارزة.
وترأست لجنة التحكيم الفنانة لطيفة أحرار، إلى جانب كل من السيناريست عبد الإله الحمدوشي والممثلة خلود البطيوي، حيث أشرفت على تقييم الأعمال المتبارية واختيار المتوجين في دورة اتسمت بمنافسة قوية ومستوى فني متصاعد.
