جوائز تحت الطلب… تجارة جديدة تكتسح الوسط الفني بالمغرب في غياب تام لأدنى معايير المصداقية والاستحقاق
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
أُثير خلال الآونة الأخيرة نقاش واسع وساخن عبر مواقع التواصل الاجتماعي حول موجة التتويجات التي باتت تُمنح لبعض الفنانين والفنانات المغاربة، سواء عبر جوائز محلية أو أخرى تُقدَّم في قالب "قاري" أو "عربي"، في سياق يثير الكثير من الشكوك حول طبيعة هذه الجوائز، ومعاييرها، والجهات التي تقف وراءها، بل وحتى الغاية الحقيقية من هذا "الفيض" المتسارع في الألقاب الفنية.
اللافت في هذا المشهد ليس فقط كثرة الجوائز، بل التحول الذي طرأ على مفهومها نفسه؛ من آلية للاعتراف بالتميز الفني المبني على التقييم الصارم والتراكم والإجماع النقدي والجماهيري، إلى ما يشبه صناعة موازية للتتويج، تُدار أحياناً بمنطق الاستسهال أو التسويق أو حتى الدفع مقابل المشاركة أو الفوز، وفق ما يتداوله عدد من المتابعين والفاعلين في الوسط الفني.
وما يزيد من حدّة هذا الجدل هو الطريقة التي تُقدَّم بها بعض هذه التتويجات، إذ يتم تسويقها كإنجازات “كبرى” أو “قارية” تتجاوز في قيمتها الرمزية أسماء فنية راسخة وذات حضور جماهيري ونقدي واسع. والأكثر إثارة للاستغراب، أن بعض الأسماء المغربية حديثة الظهور أو محدودة التجربة باتت تعلن، بكل ثقة لافتة، تفوّقها على فنانات عربيات من الصف الأول، لهن مسارات طويلة وقواعد جماهيرية واسعة وإنتاج فني متراكم يصعب تجاهله.
هذا التناقض الصارخ يطرح سؤالاً مباشراً حول طبيعة المعايير المعتمدة: هل يتعلق الأمر فعلاً بتقييم فني موضوعي قائم على الجودة والتأثير، أم أننا أمام تصنيفات تُصنع خارج منطق التنافس الإبداعي الحقيقي، وتُسوَّق كإنجازات فنية رغم هشاشة أسسها؟
في هذا السياق، يلاحظ كثيرون أن بعض الجوائز يتم الإعلان عنها دون وضوح كافٍ حول لجان التحكيم، أو خلفيات الاختيار، أو طبيعة المؤسسات المنظمة، بينما يُغيب بشكل شبه كامل دور الجمهور، الذي يُفترض أنه العنصر الأكثر التصاقاً بالعمل الفني والأقدر على قياس تأثيره الفعلي، لا من خلال الشعارات، بل عبر الانتشار والقبول والتفاعل.
بيد أن ما يراه عدد من المراقبين أكثر خطورة في هذا المسار هو أن هذه الظاهرة بدأت تُربك سلم القيم داخل الحقل الفني، حيث بات بعض المشتغلين على الفن يراهنون على التتويجات السريعة كوسيلة لاكتساب الشرعية والنجومية، بدل الاشتغال على تطوير الموهبة وصقل الأداء وبناء مسار فني حقيقي يقوم على التراكم والتجربة والاحتكاك المباشر مع الجمهور والنقد الجاد.
كما أن الانتشار المتزايد لهذا النوع من الجوائز، خصوصاً تلك التي تُمنح في سياقات احتفالية متشابهة، دفع البعض إلى التساؤل عن وجود "اقتصاد خفي" للتتويج، تتحول فيه الألقاب إلى منتج قابل للتسويق، أكثر مما هو اعتراف نقدي أو فني، وهو ما يفرغ الفكرة الأصلية للجائزة من مضمونها، ويجعلها أقرب إلى واجهة إعلامية منها إلى معيار تقييم.
وفي مقابل ذلك، يظل التناقض صارخاً بين بعض الأسماء المتوجة حديثاً وبين أسماء فنية عربية ومغربية ذات حضور قوي وتاريخ طويل وتأثير واضح، ما يعمّق الإحساس بأن جزءاً من هذه المنظومة بات يحتاج إلى مراجعة جذرية، تعيد الاعتبار لمفهوم الاستحقاق، وتضع حداً لالتباس صار بين الإبداع الحقيقي وبين التتويج المُصطنع.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بمجرد جدل حول جوائز، بل بسؤال أعمق عن معنى النجاح الفني في زمن تتكاثر فيه الألقاب بسرعة تفوق أحياناً سرعة إنتاج العمل نفسه، وعن مدى قدرة الساحة الفنية على حماية مصداقيتها من الانزلاق نحو "تلميع بلا أساس" يُربك الذوق العام أكثر مما يُنصف الإبداع.
