كما هو معلوم، أقر مجلس الحكومة، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، رفع سعر الضريبة على الشركات الكبرى العاملة في قطاع المحروقات من 35 إلى 40 في المائة، من خلال تعديل المادة 19 من المدونة العامة للضرائب، بما يشمل الشركات التي تزاول أنشطة استيراد أو توزيع المواد الهيدروكربونية، متى بلغ ربحها الصافي 100 مليون درهم أو تجاوزه.
ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز مساهمة الفاعلين الكبار في الموارد الجبائية للدولة، على أن يطبق على السنوات المحاسبية المفتوحة ابتداء من فاتح يناير 2027. غير أن القرار يطرح تساؤلات بشأن انعكاساته الفعلية على سوق المحروقات، في ظل غياب مقتضيات موازية لتسقيف الأرباح أو أسعار الوقود في محطات التوزيع.
ورغم أهمية الزيادة الضريبية في تعزيز موارد الدولة وتحقيق قدر أكبر من العدالة الجبائية، فإنها لا تعني بالضرورة انخفاض أسعار البنزين والغازوال، باعتبار أن الضريبة الجديدة تستهدف الأرباح الصافية للشركات المعنية، ولا تفرض رسما مباشرا إضافيا على كل لتر من الوقود. ويظل أثرها المحتمل على الأسعار رهينا بعوامل متعددة، من بينها كلفة الاستيراد والتخزين والنقل، ومستوى المنافسة بين الفاعلين، ومدى انعكاس الأعباء الضريبية الجديدة على حسابات الشركات. وبينما تراهن الدولة على رفع مساهمة الشركات الكبرى في المداخيل الجبائية، يظل المستهلك المغربي في انتظار إجراءات ملموسة تخفف الضغط على قدرته الشرائية، بدل الاكتفاء بتغيير النسبة الضريبية دون ضمانات بشأن تطور الأسعار في المحطات.
وفي قراءة سياسية واقتصادية لهذا التوجه، اعتبر الدكتور محسن الجعفري، الباحث في الاقتصاد السياسي، في تصريح أدلى به لموقع "أخبارنا"، أن الإجراء يحمل دلالات سياسية وتسويقية، خاصة بالنسبة إلى الحزب الذي ترأس الحكومة السابقة وبنى جزءا من أطروحته السياسية على انتقاد حليفه السابق بسبب ارتباط قيادته بقطاع المحروقات. غير أن الجعفري يرى أن الأثر العملي والاقتصادي للزيادة الضريبية يظل رهينا بوجود إجراءات مواكبة تضمن استقرار الأسعار، محذرا من أن رفع الضريبة دون هذه التدابير قد يربك السوق وتركيبة الأسعار، بل قد يعزز المنحى التصاعدي لأسعار الوقود في المحطات، وينعكس كذلك على الشركات الإنتاجية التي تعتمد على المحروقات، من خلال ارتفاع كلفة الإنتاج.
كما شدد الجعفري على أن رفع الضريبة، في غياب منهجية دقيقة وواقعية لتسقيف أسعار المحروقات بناء على نظام المقايسة، ومراجعة تركيبة الأسعار، وفتح السوق أمام فاعلين جدد وفق آليات العرض والطلب، قد يجعل آثار الضغط الضريبي سلبية على مستويات الأسعار.
إلى جانب ذلك، حذر المتحدث ذاته من احتمال لجوء الشركات المهيمنة على القطاع إلى إعادة ترتيب تركيبتها المالية أو استخدام آليات لتفادي العبء الضريبي، فضلا عن ممارسات أخرى قد تؤثر على مستوى العرض في السوق. ووفق هذه القراءة، فإن غياب تدابير واضحة لتعزيز المنافسة وضمان استمرارية التموين قد يضع الحكومة أمام تحديات إضافية، خصوصا إذا تزامن ارتفاع الأسعار مع صعوبات في توفير بدائل كافية لتلبية حاجيات السوق الوطنية. وتعيد هذه التحذيرات إلى الواجهة دور مجلس المنافسة والسلطات الحكومية المعنية في مراقبة الممارسات التجارية وضمان شفافية تحديد الأسعار.
وبين رفع الضريبة وغياب تسقيف الأرباح، يبقى الرهان على مدى قدرة الحكومة على ترجمة هذا الإجراء إلى مكاسب ملموسة للمغاربة، عبر تعزيز المنافسة ومراجعة آليات تحديد الأسعار وضمان استقرار التموين. فهل تكتفي الحكومة برفع مساهمة شركات المحروقات في خزينة الدولة، أم تتجه إلى اتخاذ تدابير موازية تحول دون انعكاس الأعباء الجديدة على المستهلكين والقطاعات الإنتاجية؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.