العمل المتواصل يرهق العقل.. لماذا يحتاج دماغك إلى التوقف أحياناً؟
أخبارنا المغربية - وكالات
يحذر أطباء وخبراء أعصاب من أن الدماغ البشري، رغم قدرته الكبيرة على التكيف، ليس مهيأ للبقاء في حالة تنبيه مستمر على مدار اليوم، في ظل ثقافة حديثة تمجد الانشغال الدائم وتربط بين الإنتاجية والقيمة الشخصية. وتشير معطيات طبية إلى أن التعرض المزمن للضغط النفسي يرفع مستويات هرمونات التوتر مثل الكورتيزول، وهو ما قد ينعكس سلبا على الذاكرة والتركيز واتخاذ القرار والنوم والصحة العامة.
وفي هذا السياق، يوضح مختصون أن استجابة التوتر تكون مفيدة عندما ترتبط بمواقف طارئة وقصيرة الأمد، لأنها تساعد على رفع الانتباه وسرعة الاستجابة، غير أن استمرارها لفترات طويلة يحولها إلى عبء حقيقي على الدماغ والجسم. وتؤكد مصادر طبية أن التعرض المزمن لهرمونات التوتر قد يضعف الذاكرة والتركيز ويزيد من القلق والتهيج، كما قد يرفع مخاطر اضطرابات صحية أخرى تمتد من مشاكل النوم إلى أمراض القلب والضغط واضطرابات المزاج.
ومن جهة أخرى، برز في السنوات الأخيرة ما يوصف بـ"الإرهاق الرقمي"، وهو حالة من الإنهاك الذهني ترتبط بالتعرض الطويل والمكثف للشاشات والتدفق المستمر للإشعارات والمحتوى. وتظهر دراسات حديثة أن الإفراط في استخدام الشاشات يرتبط بارتفاع مستويات التوتر والقلق وتراجع جودة النوم والانتباه، ما يجعل المشكلة مرتبطة ليس فقط بعدد الساعات، بل أيضا بطبيعة التحفيز المتواصل الذي يبقي العقل في حالة يقظة مستمرة من دون فترات كافية للهدوء الذهني.
وفي المقابل، تسلط أبحاث علم الأعصاب الضوء على أهمية ما يعرف بـ"شبكة الوضع الافتراضي" في الدماغ، وهي مجموعة من المناطق تنشط خلال فترات الراحة أو الشرود الهادئ أو غياب الانشغال بمهمة محددة. وتوضح المراجعات العلمية أن هذه الشبكة تؤدي دورا مهما في معالجة الذكريات والتجارب العاطفية وبناء السرد الداخلي وربط المعلومات، ما يعني أن لحظات الراحة ليست علامة على الكسل، بل جزء من الصيانة الطبيعية التي يحتاجها الدماغ لاستعادة التوازن والمرونة والإبداع.
أما على مستوى الحياة اليومية، فيوصي خبراء الصحة بتخصيص فترات منتظمة بعيدا عن الشاشات، ووضع حدود واضحة بين وقت العمل والحياة الشخصية، وتقليل التعرض للضوء الأزرق والمنبهات في المساء، إلى جانب المشي الهادئ أو التأمل أو القراءة الورقية أو أي نشاط يسمح للعقل بالانفصال المؤقت عن التدفق الرقمي المتواصل. وتؤكد هذه التوصيات أن الراحة ليست ترفا أو مكافأة مؤجلة، بل حاجة بيولوجية أساسية لا تقل أهمية عن النوم والغذاء والحركة في حماية الدماغ وجودة الحياة.
