تكشف دراسات على مجتمعات الصيد والجمع المعاصرة أن النوم الجيد لا يعني بالضرورة ثماني ساعات متواصلة كل ليلة، إذ إن هذه المجتمعات تنام أحياناً أقل وتستيقظ أكثر، لكنها نادراً ما تبلغ عن مشكلات نوم مزمنة كما هو الحال في المجتمعات الحديثة.
أحد أهم العوامل هو التعرض للضوء الطبيعي خلال النهار. فالضوء يعد من أقوى الإشارات التي تضبط الساعة البيولوجية وتساعد الجسم على معرفة متى يكون وقت النشاط ومتى يقترب موعد النوم. وتشير أبحاث إلى أن التعرض الجيد للضوء نهاراً قد يخفف حتى من تأثير الإضاءة الاصطناعية المستخدمة مساءً.
ولا يتعلق الأمر بالضوء فقط، إذ يبدو أن تغير درجة الحرارة يلعب دوراً مهماً أيضاً. فقد لوحظ أن بعض مجتمعات الصيد والجمع تنام بعد ساعات من الغروب وتستيقظ قبل الشروق، وأن توقيت نومها يرتبط بانخفاض وارتفاع درجات الحرارة أكثر من ارتباطه بالضوء وحده.
وفي المنازل الحديثة، تبقى الحرارة أحياناً شبه ثابتة طوال اليوم والليل، لذلك يقترح باحثون خفض حرارة الغرفة قليلاً قبل النوم أو فتح النافذة عند الإمكان، لمحاكاة الانخفاض الطبيعي الذي يحدث ليلاً.
كما تختلف طريقة قضاء المساء. فبدلاً من الانتقال مباشرة من العمل أو المهام اليومية إلى السرير، تقضي مجتمعات الصيد والجمع وقتاً في أنشطة هادئة وغير مرتبطة بالعمل، مثل الحديث حول النار أو تبادل القصص أو زيارة الآخرين.
ويرى الباحثون أن هذا الفصل الواضح بين النهار العملي والمساء الهادئ قد يكون إشارة مهمة للدماغ بأن وقت الراحة قد اقترب، وهو ما يجعل الاستمرار في قراءة رسائل العمل أو دفع الفواتير قبل النوم عادة قد تعرقل هذا الانتقال.
ويلعب التواصل الاجتماعي دوراً إضافياً، إذ تعيش كثير من هذه المجتمعات أمسياتها بشكل جماعي، كما ينام أفرادها بالقرب من بعضهم. وتشير أبحاث إلى أن الشعور بالوحدة يرتبط بنوم أسوأ، ما يعني أن قضاء وقت اجتماعي هادئ في المساء قد يكون له أثر إيجابي.
لكن الدرس الأكثر إثارة ربما يتعلق بالتوقف عن السعي إلى "النوم المثالي". فالأبحاث تشير إلى أن النوم الطبيعي لا يكون بالضرورة ثماني ساعات متواصلة كل ليلة، وأن محاولة الوصول إلى هذا النموذج بشكل صارم قد تزيد القلق وتؤدي أحياناً إلى نتيجة عكسية.
ويرى الباحثون أن اختلاف النوم من ليلة إلى أخرى أمر طبيعي، تماماً كما تختلف مستويات الطاقة والتركيز من يوم لآخر، ما دام الأمر لا يتحول إلى أرق مزمن أو إرهاق مستمر يستدعي تقييماً طبياً.
وبذلك، فإن أفضل ما يمكن استلهامه من أنماط النوم القديمة ليس تقليدها حرفياً، بل الاهتمام بالضوء الطبيعي نهاراً، وخفض حرارة الغرفة ليلاً، وتهدئة النشاط قبل النوم، والحفاظ على التواصل الاجتماعي، وعدم تحويل النوم إلى اختبار يومي يجب أن يكون مثالياً كل ليلة.
كيف كان أسلافنا ينامون بشكل أفضل؟ 5 عادات من مجتمعات الصيد والجمع قد تساعد اليوم
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.