القائمة الرئيسية
أخبارنا

لماذا لا يكفي إطفاء الأنوار أحياناً للنوم؟ أبحاث تكشف عاملاً آخر قد يغير عاداتنا

لماذا لا يكفي إطفاء الأنوار أحياناً للنوم؟ أبحاث تكشف عاملاً آخر قد يغير عاداتنا

اعتاد العلماء اعتبار الضوء العامل الأساسي الذي ينظم مواعيد النوم والاستيقاظ لدى الإنسان، غير أن أبحاثاً علمية بدأت تسلط الضوء على تأثير آخر قد يكون أكثر أهمية مما كان يُعتقد، بعدما لاحظ باحثون أن التغيرات التي تطرأ على البيئة المحيطة خلال الليل قد تؤثر في الساعة البيولوجية للجسم، وفي جودة النوم والشعور بالراحة عند الاستيقاظ.

ووفق تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، بدأت الشكوك حول الدور الحصري للضوء عندما درس عالم الأنثروبولوجيا غاندي يتيش أنماط النوم لدى جماعات تعيش بعيداً عن مظاهر الحياة الصناعية. ففي بوليفيا وتنزانيا وجنوب القارة الإفريقية، لاحظ الباحثون أن أفراد جماعات تسيماني وهادزا وسان لا ينامون بالضرورة عند غروب الشمس، ولا ينتظرون شروقها للاستيقاظ، رغم محدودية استخدامهم للإضاءة الاصطناعية.

واللافت أن مواعيد نوم هؤلاء الأشخاص بدت أكثر ارتباطاً بانخفاض درجات الحرارة خلال المساء وارتفاعها مع اقتراب الصباح، ما دفع الباحثين إلى التساؤل عما إذا كانت حرارة البيئة تؤدي دوراً في ضبط الإيقاع اليومي للجسم، إلى جانب الضوء الذي ظل لسنوات يتصدر التفسيرات العلمية المتعلقة بالنوم.

وتشير المعطيات الفسيولوجية إلى أن درجة حرارة الجسم الداخلية تبدأ بالانخفاض تدريجياً مع اقتراب موعد النوم، وقد يتجاوز الفرق بين أعلى مستوياتها نهاراً وأدناها ليلاً درجة مئوية واحدة تقريباً. ويساعد هذا الانخفاض الجسم على الاستعداد للراحة، بينما قد تؤدي الأجواء شديدة الدفء إلى اضطراب النوم وتكرار الاستيقاظ خلال الليل.

وفي تجربة علمية أُجريت سنة 2007، قارن الباحثون بين أشخاص ناموا في غرف ظلت حرارتها ثابتة عند 27 درجة مئوية، وآخرين تعرضوا لانخفاض تدريجي من 27 إلى 24 درجة خلال المساء، قبل ارتفاعها مجدداً مع اقتراب الصباح. وأظهرت النتائج ارتفاع مؤشر مرتبط بهرمون الميلاتونين لدى المجموعة الثانية، إلى جانب شعور أفرادها بانتعاش أكبر بعد الاستيقاظ، ما يشير إلى احتمال استفادة الجسم من التغير الطبيعي لحرارة الليل.

ولا يقتصر النقاش العلمي على تأثير البرودة في الشعور بالنعاس، بل يمتد إلى احتمال مساهمتها في إعادة ضبط الساعة البيولوجية نفسها. فقد أظهرت تجارب على حيوانات مختلفة، من ذباب الفاكهة إلى الجمال، إمكانية التأثير في إيقاعاتها اليومية عبر دورات منتظمة من تغير درجات الحرارة، كما نجح العلماء في التأثير في الساعات الداخلية لخلايا بشرية داخل المختبر باستعمال تغيرات حرارية مماثلة.

وتعزز بعض الدراسات البشرية الصغيرة هذا الاحتمال، إذ سجلت تجربة تعود إلى سنة 1974 تغيراً في دورة النوم والاستيقاظ بنحو 23 دقيقة عندما خفض المشاركون حرارة غرفهم أثناء النوم مقارنة بفترات اليقظة. كما أظهرت دراسة سنة 2007 أن التغير التدريجي في حرارة الغرفة ارتبط بوصول حرارة الجسم الداخلية إلى أدنى مستوياتها قبل موعدها المعتاد بنحو ساعة، وهو مؤشر قد يعكس تغيراً في توقيت الساعة البيولوجية.

ومع ذلك، يحذر باحثون من التسرع في اعتبار الحرارة بديلاً عن الضوء في تنظيم النوم، لأن النعاس يخضع لآليات متداخلة، تشمل تراكم الحاجة إلى النوم كلما طالت مدة الاستيقاظ، وإشارات الساعة البيولوجية، ونظام اليقظة الذي يسمح للجسم بالبقاء منتبهاً عند وجود مؤثرات تستدعي ذلك. ويرى كريستيان كايوخن، المتخصص في علم الأحياء الزمني بجامعة بازل، أن الدراسات المتوفرة لا تزال محدودة ولا تسمح بالحسم في مدى تأثير الحرارة على توقيت النوم لدى الإنسان.

ويطرح هذا النقاش تساؤلات بشأن طبيعة المنازل الحديثة، التي تحافظ أنظمة التدفئة والتكييف فيها على درجات حرارة شبه ثابتة طوال اليوم. ويعتقد عالم الأعصاب جيروم سيغل، من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، أن الابتعاد عن التغيرات الحرارية الطبيعية التي عاش في ظلها الإنسان عبر تاريخه التطوري قد يساهم في تفسير بعض اضطرابات النوم المنتشرة في المجتمعات الصناعية، وإن كانت هذه الفرضية لا تزال بحاجة إلى أدلة إضافية.

وفي انتظار نتائج أبحاث أكثر شمولاً، يتفق الباحثون على أن تجنب ارتفاع حرارة غرفة النوم قد يساعد على تحسين الراحة الليلية، بينما تظل الدرجة المثالية ومدى تأثير تقلباتها على الساعة البيولوجية موضع دراسة. وقد يكون السماح بدخول هواء أبرد قليلاً إلى الغرفة، عندما تسمح الظروف بذلك، إجراءً بسيطاً يستحق التجربة، دون اعتباره علاجاً مثبتاً للأرق أو بديلاً عن الإرشادات الطبية المتعلقة باضطرابات النوم.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.