قد يكون الاسترخاء داخل حوض من الماء الساخن أكثر من مجرد وسيلة للتخلص من التعب والتوتر، بعدما كشفت دراسة علمية حديثة عن تأثير غير متوقع لهذه العادة على الدورة الدموية، حيث أظهرت النتائج أن الغمر في الماء الساخن لمدة نصف ساعة أدى إلى زيادة تدفق الدم في الأوعية الدقيقة الموجودة تحت الجلد بصورة أكبر من ممارسة ركوب الدراجة الثابتة خلال المدة نفسها.
الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة غرب أستراليا ونُشرت في المجلة العلمية "European Journal of Applied Physiology" في 28 شتنبر 2026، سلطت الضوء على التأثيرات الفسيولوجية للحرارة على الأوعية الدموية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين يعانون زيادة الوزن أو السمنة، في محاولة لفهم إمكانية الاستفادة من التسخين السلبي للجسم لتحسين بعض مؤشرات صحة الأوعية الدموية.
وشملت التجربة 25 مشاركاً، بلغ متوسط أعمارهم 59 عاماً، وكانوا يعانون زيادة الوزن أو السمنة مع مستويات محدودة نسبياً من النشاط البدني. وخضع كل مشارك لتجربتين منفصلتين، تضمنت الأولى ممارسة ركوب الدراجة الثابتة لمدة 30 دقيقة بشدة متوسطة، بينما تمثلت الثانية في الجلوس داخل حوض ماء ساخن بدرجة حرارة 40 مئوية، مع غمر الجسم حتى مستوى الصدر والذراعين طوال المدة نفسها.
واستخدم العلماء تقنية تصوير متقدمة تُعرف باسم التصوير المقطعي بالتماسك البصري، تسمح بمراقبة الأوعية الدموية الدقيقة الموجودة تحت الجلد دون الحاجة إلى تدخل جراحي. وركزت القياسات على منطقة الساعد، حيث جرى تحليل التغيرات في قطر الأوعية وسرعة تدفق الدم وكميته، إلى جانب نسبة الأوعية التي أمكن رصد جريان الدم داخلها.
وكانت المفاجأة في النتائج التي أظهرت ارتفاع مؤشر كثافة الأوعية الدقيقة التي يتدفق فيها الدم بنسبة 14.1 في المائة بعد الغمر في الماء الساخن، مقابل انخفاض بلغ 3.1 في المائة بعد ركوب الدراجة. كما سجل الباحثون توسعاً أكبر في الأوعية الدموية وارتفاعاً ملحوظاً في سرعة جريان الدم داخلها، فضلاً عن انخفاض أكبر في ضغط الدم مباشرة بعد الحمام الساخن مقارنة بجلسة التمارين الرياضية.
ويفسر العلماء هذه الظاهرة بأن تعرض الجسم للحرارة يدفعه إلى توسيع الأوعية الدموية القريبة من سطح الجلد، بهدف تسهيل انتقال الحرارة نحو الخارج والمحافظة على توازن درجة حرارة الجسم. ويسمح هذا التوسع بزيادة كمية الدم المتدفقة عبر الأوعية الدقيقة، بينما تتجه كميات أكبر من الدم أثناء ممارسة الرياضة إلى العضلات التي تحتاج إلى الأكسجين والطاقة.
غير أن الباحثين لفتوا الانتباه إلى تفصيل مهم، يتمثل في أن أذرع المشاركين كانت مغمورة مباشرة في الماء الساخن، بينما لم تتعرض المنطقة نفسها لحرارة مماثلة أثناء ركوب الدراجة. ولذلك، فإن النتائج لا تثبت أن الحمام الساخن أكثر فائدة للقلب من الرياضة، بل تشير إلى استجابة موضعية أقوى للأوعية الدموية في ظروف حرارية مختلفة. كما أن ارتفاع كثافة الأوعية التي يظهر فيها تدفق الدم لا يعني تكوّن أوعية جديدة خلال نصف ساعة.
وتفتح هذه النتائج المجال أمام مزيد من الأبحاث بشأن إمكانية استخدام الحمامات الساخنة وسيلة مساعدة لتحفيز الدورة الدموية، خصوصاً لدى كبار السن والأشخاص الذين يجدون صعوبة في ممارسة النشاط البدني بسبب مشكلات الحركة أو بعض الحالات الصحية. ويرى الباحثون أن التعرض المنظم للحرارة قد يساهم في تحسين بعض وظائف الأوعية الدموية، لكن إثبات فوائده المستدامة يحتاج إلى تجارب أكبر وأطول مدة.
ورغم المؤشرات المشجعة، يؤكد المختصون أن الاستحمام بالماء الساخن لا يمكن اعتباره بديلاً عن ممارسة الرياضة، التي توفر فوائد متعددة تشمل تقوية القلب والعضلات وتحسين اللياقة البدنية وتنظيم مستويات السكر في الدم. كما أن التجربة اقتصرت على قياس التأثيرات المباشرة بعد جلسة واحدة، ولم تثبت أن تكرار الحمامات الساخنة يقلل مخاطر الإصابة بأمراض القلب على المدى الطويل.
دراسة تكشف تأثيراً غير متوقع للاستحمام بالماء الساخن لمدة 30 دقيقة
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.