القائمة الرئيسية
أخبارنا

سلحفاة عمرها 194 عاماً تحيّر العلماء.. دراسة تكشف أسراراً في خلاياها قد تفسر طول عمرها

سلحفاة عمرها 194 عاماً تحيّر العلماء.. دراسة تكشف أسراراً في خلاياها قد تفسر طول عمرها

على جزيرة سانت هيلينا النائية وسط المحيط الأطلسي، تعيش سلحفاة عملاقة عاصرت أحداثاً تاريخية كبرى، من بينها الحربان العالميتان، ولا تزال على قيد الحياة رغم اقتراب عمرها من قرنين. وقد تحولت هذه السلحفاة، المعروفة باسم «جوناثان»، إلى محور دراسة علمية جديدة تسعى إلى فهم أحد أكثر ألغاز الطبيعة إثارة للاهتمام، والمتعلق بقدرة بعض الكائنات الحية على مقاومة آثار الشيخوخة والاستمرار في الحياة لفترات تفوق بكثير متوسط أعمار أفراد نوعها.

وتُعد جوناثان، التي يقدر عمرها بنحو 194 عاماً، أقدم حيوان بري حي معروف في العالم من حيث السجلات الموثقة، وتنتمي إلى السلاحف العملاقة المرتبطة بجزر ألدابرا وسيشيل. وقد وصلت إلى جزيرة سانت هيلينا سنة 1882 وهي بالغة بالفعل، قبل أن تستقر في حدائق «بلانتيشن هاوس»، المقر الرسمي لحاكم الجزيرة، حيث ظلت طوال أكثر من 140 عاماً جزءاً من الحياة المحلية، وشاهدة على تحولات سياسية واجتماعية كبرى شهدها العالم.

وفي محاولة لفهم الأسباب الكامنة وراء هذا العمر الاستثنائي، أجرى فريق دولي من الباحثين تحليلاً شاملاً للمادة الوراثية للسلحفاة، ونشر نتائجه يوم 7 أكتوبر 2026 في مجلة «Science Advances». ولم يقتصر البحث على قراءة تسلسل الحمض النووي، بل شمل أيضاً دراسة ما يُعرف بالتغيرات فوق الجينية، وهي علامات كيميائية تتحكم في نشاط الجينات دون تغيير تسلسلها، ويمكن أن تتبدل مع التقدم في العمر وتؤثر في قدرة الخلايا على أداء وظائفها.

وكشفت النتائج عن وجود متغيرات وراثية مميزة في 287 جيناً لدى جوناثان، يرتبط بعضها بآليات أساسية لحماية الجسم من التدهور، من بينها إصلاح تلف الحمض النووي وتنظيم الالتهابات ومستويات الإنسولين والحفاظ على التيلوميرات، وهي تراكيب تحمي نهايات الكروموسومات من التلف. كما رصد الباحثون نسخاً إضافية من جين مرتبط ببروتين يساعد على التخلص من الخلايا الهرمة وبعض الخلايا السرطانية، وهو ما أثار اهتمامهم بإمكانية مساهمة هذه الخصائص في مقاومة الأمراض المرتبطة بالتقدم في السن.

لكن النتيجة الأكثر إثارة ظهرت عند دراسة العلامات فوق الجينية المرتبطة بوظائف الميتوكوندريا، وهي الأجزاء المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا. فعلى الرغم من ظهور علامات الشيخوخة في أجزاء واسعة من المادة الوراثية لجوناثان، احتفظت مناطق مرتبطة بتنظيم الطاقة الخلوية بدرجة من الاستقرار تشبه ما رُصد لدى سلاحف أصغر سناً بكثير، في مؤشر إلى أن بعض أنظمة الجسم الأساسية قد تواصل العمل بكفاءة رغم التقدم الشديد في العمر.

وللوصول إلى هذه النتائج، قارن العلماء عينات مأخوذة من جوناثان بأخرى تعود إلى أربع سلاحف عملاقة من أعمار مختلفة، مستخدمين مسحات من داخل الفم للحصول على المادة الوراثية، بعدما فرضت السلطات البيطرية قيوداً على سحب الدم حرصاً على سلامة الحيوان المسن. وأتاح هذا الأسلوب دراسة الجينات دون إخضاع السلحفاة لإجراءات قد تشكل خطراً على صحتها.

ويرى الباحث بنجامين فايسفيل، أحد المشرفين على الدراسة، أن الجينوم يمكن تشبيهه بكتاب يحتوي على التعليمات الأساسية لبناء الجسم وتشغيله، بينما تمثل العلامات فوق الجينية ملاحظات تحدد كيفية استخدام هذه التعليمات. ومع التقدم في العمر، تصبح هذه الملاحظات أقل انتظاماً، غير أن بعض الأجزاء المرتبطة بوظائف حيوية لدى جوناثان احتفظت بدرجة لافتة من التنظيم، وهو ما قد يساعد على تفسير استمرار عمل خلاياه بكفاءة نسبية.

ورغم هذه المؤشرات، يحذر العلماء من اعتبار النتائج اكتشافاً نهائياً لسر طول العمر، إذ اعتمدت الدراسة على حيوان واحد تجاوز العمر المعتاد بصورة استثنائية، ما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كانت خصائصه الوراثية سبباً مباشراً في بقائه، أم أنها سمات موجودة أيضاً لدى سلاحف أخرى طويلة العمر. كما لا يمكن استبعاد دور البيئة التي يعيش فيها، بما فيها المناخ المعتدل نسبياً والرعاية البيطرية المستمرة والنظام الغذائي الذي يخضع للمراقبة.

ومن جانبه، أكد الطبيب البيطري جو هولينز، الذي يشرف على رعاية جوناثان منذ سنوات، أن السلحفاة لا تزال تتمتع بشهية قوية رغم تراجع قدرتها على الإبصار بسبب إعتام عدسة العين. وأوضح أنها تستجيب لصوته وترفع رأسها وتمد رقبتها عند اقترابه، بعدما اعتادت ربط حضوره بموعد الطعام، مشيراً إلى أن طباعها أصبحت أكثر هدوءاً مقارنة بسنوات سابقة كانت معروفة خلالها بسلوكيات مشاغبة، من بينها قلب الكراسي والعبث بالأشياء المحيطة بها.

وتتجاوز أهمية هذا البحث معرفة أسباب طول عمر سلحفاة واحدة، إذ يأمل العلماء في الاستفادة من هذه النتائج لفهم الآليات البيولوجية التي تسمح لبعض الكائنات بمقاومة الشيخوخة والأمراض لفترات طويلة. وقد لاحظ الباحثون أوجه تشابه بين بعض الخصائص المسجلة لدى جوناثان ونتائج دراسات أُجريت على أشخاص تجاوزوا المائة عام، خصوصاً في ما يتعلق بوظائف الميتوكوندريا وحماية الخلايا من التلف. غير أن تحويل هذه الملاحظات إلى وسائل لإطالة عمر الإنسان لا يزال احتمالاً بحثياً بعيداً، يحتاج إلى تجارب وأدلة إضافية قبل الحديث عن تطبيقات طبية فعلية.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.