القائمة الرئيسية
أخبارنا

حتى بعد نفوقها بسنوات.. دراسة تكشف دوراً غير متوقع للأفيال في تغيير الحياة من حولها

حتى بعد نفوقها بسنوات.. دراسة تكشف دوراً غير متوقع للأفيال في تغيير الحياة من حولها

لطالما عُرفت الأفيال بدورها الكبير في تشكيل النظم البيئية، من خلال اقتلاع الأشجار وحفر التربة وفتح المسارات أمام الحيوانات الأخرى، غير أن دراسة علمية حديثة كشفت عن جانب غير متوقع من تأثير هذه الحيوانات الضخمة في الطبيعة، بعدما تبين أن آثارها البيئية لا تنتهي بموتها، بل تستمر لسنوات طويلة، حتى بعد اختفاء جثثها بالكامل.

الدراسة، التي نُشرت في 12 أكتوبر الجاري بدورية الأكاديمية الوطنية للعلوم الأمريكية "PNAS"، أجراها فريق دولي من الباحثين في متنزه كروغر الوطني بجنوب أفريقيا، حيث توصل العلماء إلى أن المواقع التي تنفق فيها الأفيال تشهد تغيرات عميقة في تركيبة التربة والنباتات ونشاط الحيوانات العاشبة، تستمر لما يقارب ثماني سنوات على الأقل، في اكتشاف يغير فهم العلماء للدور الذي تؤديه الحيوانات العملاقة داخل الأنظمة البيئية.

واعتمد الباحثون على فحص 40 موقعاً سبق أن نفقت فيها أفيال خلال فترات زمنية مختلفة، تراوحت بين ثمانية أيام وسبع سنوات وثمانية أشهر. وجمع الفريق عينات من التربة والنباتات، وقارنها بمناطق مجاورة لم تشهد نفوق أفيال، كما استعان بكاميرات مراقبة لرصد حركة الحيوانات التي تزور هذه المواقع، بهدف معرفة كيف تتغير البيئة المحيطة بالجثث مع مرور الوقت.

وكانت المفاجأة في النتائج التي كشفتها التحاليل الكيميائية، إذ تبين أن تحلل جثث الأفيال يؤدي إلى تسرب كميات هائلة من العناصر الغذائية نحو التربة، حيث ارتفع متوسط تركيز الأمونيوم بنحو 31 ضعفاً مقارنة بالمناطق المرجعية، بينما زادت مستويات النترات سبعة أضعاف والفوسفور ثلاثة أضعاف، في تغيرات استثنائية تعكس التأثير الكبير لجثة حيوان قد يصل وزنه إلى عدة أطنان.

لكن هذه الوفرة المفاجئة في العناصر الغذائية لم تؤد إلى ازدهار جميع النباتات كما قد يُعتقد، بل حدث العكس في المراحل الأولى، إذ تسببت الكميات المرتفعة من بعض المركبات، خصوصاً الأمونيوم، في خلق ظروف غير ملائمة لنمو العديد من الأنواع النباتية. كما تراجع تنوع البكتيريا والكائنات الدقيقة في التربة، بعدما أصبحت البيئة المحيطة بالجثة مناسبة لعدد محدود من الأنواع القادرة على تحمل هذه الظروف الكيميائية الاستثنائية.

ومع مرور الأشهر والسنوات، بدأت أنواع معينة من الأعشاب في استعمار المواقع التي تحللت فيها الجثث، مستفيدة من العناصر الغذائية المتراكمة داخل التربة. وأظهرت التحاليل أن هذه النباتات أصبحت غنية بالمغذيات، ما جعلها أكثر جذباً للحيوانات العاشبة، التي بدأت تعود إلى تلك المواقع بصورة متكررة بحثاً عن الغذاء.

والأكثر إثارة للدهشة أن الباحثين سجلوا ارتفاعاً في نشاط الرعي بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بالمناطق المجاورة، حتى في المواقع التي مر على نفوق الأفيال فيها أكثر من سبع سنوات. كما استمرت مستويات العناصر الغذائية مرتفعة في بعض أقدم المواقع المدروسة، رغم اختفاء معظم الآثار الظاهرة للجثث، ما يشير إلى أن تأثير الفيل في البيئة قد يستمر مدة أطول مما كان متوقعاً.

ويرى الباحثون أن هذه الظاهرة تكشف عن مفارقة بيئية لافتة، إذ تتحول مواقع نفوق الأفيال إلى مناطق يقل فيها التنوع البيولوجي للنباتات والميكروبات، لكنها تشهد في المقابل نشاطاً مكثفاً للعمليات البيئية، من بينها تحلل المواد العضوية ونمو بعض الأعشاب وزيادة الرعي. وتساهم الحيوانات التي تتردد على هذه المواقع بدورها في إعادة توزيع العناصر الغذائية عبر فضلاتها، مما قد يساعد على استمرار هذه الدورة الطبيعية لسنوات إضافية.

وأوضح الفريق العلمي أن أهمية الاكتشاف تتجاوز دراسة تحلل الجثث، لأنها تكشف عن وظيفة بيئية خفية للحيوانات الضخمة، لا تقل أهمية عن تأثيرها أثناء حياتها. كما تثير النتائج تساؤلات بشأن ما قد تفقده الأنظمة الطبيعية مع تراجع أعداد الأفيال وغيرها من الحيوانات الكبيرة، ليس فقط من حيث دورها في الرعي ونشر البذور وتغيير الغطاء النباتي، بل أيضاً من حيث التأثيرات التي تتركها بعد نفوقها.

ورغم أن الدراسة وثقت استمرار هذه التغيرات لما يقارب ثماني سنوات، فإن الباحثين لم يتمكنوا بعد من تحديد المدة النهائية لبقائها، ولا يستبعدون أن تمتد إلى فترات أطول في بعض الظروف البيئية. ويعتزم الفريق مواصلة مراقبة المواقع نفسها ودراسة تأثير الأمطار والجفاف وطبيعة التربة على هذه العمليات، في محاولة لفهم الدور الكامل الذي تؤديه جثث الحيوانات العملاقة في الحفاظ على دينامية النظم البيئية.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.