شهد الفضاء الجامعي ومواقع التواصل الاجتماعي، في الآونة الأخيرة، نقاشا واسعا حول التعليم الجامعي وفق التوقيت الميسر لفائدة موظفي وأجراء ومستخدمي القطاعين العام والخاص، وذلك في إطار المقتضيات التي جاء بها القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
وإذا كان النقاش العمومي حول القضايا العامة ذات الصلة بالسياسات التعليمية حقا مشروعا لمختلف الفاعلين والمهتمين والهيئات الطلابية والنقابات، ويعكس حيوية المجتمع وانخراطه في الاهتمام بالشأن التعليمي والحرص على جودته، فإن هذا النقاش يجب أن يستحضر مجموعة من المعايير العلمية تتمثل في توخي الدقة في عرض الوقائع واستعراض النصوص القانونية، واعتماد المقاربة الموضوعية.
وفي هذا الإطار فإن القول بإن اعتماد رسوم على التكوين وفق التوقيت الميسر إجراء مستحدث يكرس مبدأ الأداء في التعليم العالي ويتراجع عن مجانيته، بالاستناد إلى مجموعة من المواثيق الدولية والنصوص الوطنية المتعلقة بالحق في التعليم، هو قول يفتقد إلى الموضوعية والتأصيل القانوني الدولي والوطني السليم.
إن المادة 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللتان تم الارتكاز عليها تؤكدان على ضرورة جعل التعليم العالي متاحاً للجميع على قدم المساواة، تبعا للكفاءة، وبكافة الوسائل المناسبة، ومن ثم، فإن مضمون الالتزام الدولي في مجال التعليم العالي يرتبط بضمان إمكانية الولوج إليه وتيسير الاستفادة منه على أساس المساواة وعدم التمييز، مع اتخاذ التدابير الكفيلة بتوسيع قاعدة المستفيدين منه.
وقد عززت اللجنة الأممية المعنية بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية هذه المقاربة في تعليقها العام رقم 13 المتعلق بالحق في التعليم، حين ربطت إعمال الحق في التعليم العالي بمجموعة من العناصر الأساسية، من بينها توافر مؤسسات التعليم وإمكانية الوصول إليها وقابليتها للتكيف مع احتياجات المستفيدين. ويكتسي عنصر القابلية للتكيف أهمية خاصة في موضوع التكوين وفق التوقيت الميسر، لأنه يقتضي أن تكون الأنظمة التعليمية قادرة على الاستجابة للأوضاع المتغيرة والحاجات المختلفة للطلبة بمختلف فئاتهم بمن في ذلك الموظفين والأجراء الذين لا تسمح لهم التزاماتهم المهنية بالاستفادة من التعليم الجامعي وفق التوقيت العادي.
إن هذه المرجعية الحقوقية لا تنظر إلى التعليم العالي باعتباره مسارا مقتصرا حصرا على الطلبة المتفرغين للدراسة، بل يتعين أن يستجيب كذلك لمتطلبات التعلم مدى الحياة، وأن يسمح للأشخاص الذين التحقوا بسوق الشغل باستئناف مسارهم الجامعي أو تطوير معارفهم ومهاراتهم المهنية والأكاديمية، وفق توقيت ميسر تضع بموجبه مؤسسة التعليم العالي مرافقها ومواردها البشرية رهن إشارتهم خارج التوقيت العادي لضمان استفادتهم من حقهم في التعليم العالي .
وقد ذهب القانون رقم 59.24 في هذا الاتجاه حين أسند إلى مؤسسات التعليم العالي مهام متعددة تتصل بالتكوين والبحث العلمي والابتكار، إلى جانب تطوير عروض التكوين المستمر والتعلم مدى الحياة والحصول على الشهادات الجامعية الوطنية بعد استيفاء الشروط القانونية والعلمية الخاصة بكل تكوين.
وهكذا فإن التوقيت الميسر ممارسة فضلى تسمح بإتاحة التعليم الجامعي للجميع دون تمييز وتضمن مبدأ التعلم مدى الحياة من خلال السماح للموظفين والأجراء ومستخدمي القطاعين العام والخاص بالاستفادة من التكوين الجامعي خارج أوقات عملهم، دون الاضطرار إلى المفاضلة بين الوفاء بالتزاماتهم المهنية ومتابعة دراستهم الجامعية.
وقد أظهرت التجربة العملية أن الموظفين والأجراء الذين كانوا يتابعون دراساتهم الجامعية وفق التوقيت العادي، كانت تعترضهم إكراهات كثيرة تجعل الكثير منهم يغادر الجامعة بسبب عدم القدرة على التوفيق بين التزاماتهم المهنية والحضور في مقارات عملهم من جهة والالتزامات الجامعية والمشاركة الفعلية في التكوين الجامعي ومتابعة الدروس الجامعية من جهة أخرى.
وعليه، فإن اعتماد التوقيت الميسر لفائدة الموظفين والأجراء هو مكسب كبير وآلية لتوسيع إمكانية الولوج الفعلي إلى التعليم العالي بالنسبة للموظفين والأجراء الذين كانت تواجههم صعوبات عملية حقيقية تحول دون الجمع بين الدراسة والعمل.
غير أن تنظيم هذه التكوينات في أوقات ميسرة يقتضي بدوره تعبئة موارد بشرية ومادية ومالية إضافية، بالنظر إلى الحاجة إلى فتح مرافق مؤسسات التعليم العالي ومختبراتها وقاعاتها خارج التوقيت الجامعي المعتاد، وتعبئة الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية والتقنية بما يتلاءم مع الأوقات المناسبة للموظفين والأجراء.
ولذلك فإن الرسوم التي يؤديها الموظفون والأجراء تبقى مساهمة منهم بجزء مما تكلفه هذه الصيغة التعليمية الموازية لمؤسسات التعليم العالي من مصاريف إضافية في التسيير والاستثمار في سعيها لإتاحة الحق في التعليم العالي لهذه الفئة ودعم جودة العرض الجامعي وتحسين شروط التأطير والتكوين.
مع الإشارة إلى التدابير التيسيرية التي تعتمدها مؤسسات التعليم العالي في هذا الإطار من خلال إعفاء الفئات التي لا يتجاوز دخلها الحد الأدنى للأجور واعتماد تسهيلات في الأداء، بما يسمح بالتوفيق بين متطلبات تغطية تكاليف هذا العرض التكويني وضمان جودته واستدامته.
ومن جهة أخرى فإن القول بإلغاء مجانية التعليم العالي في شموليته أمر مجانب للصواب ويفتقد إلى الموضوعية، ذلك أن الأداء يقتصر على الموظفين والأجراء ولا يشمل الطلبة الذين يتابعون دراستهم في التكوين الأساسي وفق التوقيت العادي.
وجدير بالذكر التذكير بأن التكوينات المؤدى عنها لفائدة الموظفين والأجراء ليست ظاهرة مستحدثة في الجامعة المغربية؛ فقد عمل عدد من مؤسسات التعليم العالي، منذ سنوات، على تنظيم تكوينات مستمرة أو تكوينات خاصة مقابل رسوم مالية مضافة إلى تكاليف التنقل إلى المؤسسات الجامعية المعتمدة لهذه التكوينات.
وهنا تكمن أهمية ما جاءت به المادة 81 من القانون رقم 59.24 التي أتاحت لجميع مؤسسات التعليم العالي إمكانية تنظيم تكوينات مؤدى عنها لفائدة الموظفين والأجراء، وغيرهم من الأشخاص الراغبين في الاستفادة منها، سواء في إطار التكوين الأساسي وفق التوقيت الميسر أو في إطار التكوين المستمر، وفق شروط وضوابط قانونية تراعي طبيعة التكوينات وظروف الموظفين و الأجراء.
إن حصر النقاش حول التوقيت الميسر في الرسوم المفروضة وربطها تعسفا بإلغاء مجانية التعليم العالي، لا يعكس بدقة الطبيعة القانونية والعملية لهذا النظام، ما دام الأداء مرتبط بصيغة تكوين موازية موجهة إلى فئة معينة لإتاحة التعليم العالي للجميع و ضمان حق الموظفين و الأجراء في متابعة دراستهم الجامعية و تطوير معارفهم و مهاراتهم العلمية دون تأثير على التزاماتهم المهنية و السير العادي للمرفق العمومي و المقاولة ، وما دام أنه لا يسري على عموم الطلبة في التكوين الأساسي المنظم وفق التوقيت العادي الذين يستفيدون من مجانية التعليم العالي.
*أستاذ القانون العام وعلم السياسة كلية العلوم القانونية والسياسية جامعة السلطان مولاي سليمان بني ملال
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.