بوسحابة يكتب: بين حصيلة فاس و"حَصْلَةْ" تمارة.. الأزمي في قلب أسئلة سياسية محرجة قبل تشريعيات شتنبر
أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة
هناك قاعدة سياسية تكاد تكون بديهية؛ فالمسؤول الذي يثق في حصيلته يعود إلى الناخبين الذين عاشوا تلك الحصيلة، طالبًا منهم تجديد الثقة فيه، لأنهم وحدهم الأقدر على تقييم ما أنجزه وما أخفق فيه. أما عندما يقرر سياسي ارتبط اسمه بمدينة معينة لسنوات طويلة أن يغادرها فجأة إلى دائرة انتخابية أخرى لم يخض فيها أي معركة انتخابية من قبل، فإن قراره يتحول تلقائيًا إلى موضوع للنقاش، وتصبح الأسئلة التي يثيرها أكثر من الأجوبة التي يقدمها. وهذا بالضبط ما حدث مع إعلان حزب العدالة والتنمية تزكية القيادي البارز ووزير الميزانية السابق إدريس الأزمي الإدريسي مرشحًا للانتخابات التشريعية المقبلة بدائرة الصخيرات-تمارة، بعد مسار سياسي ارتبط أساسًا بمدينة فاس، حيث شغل منصب رئيس مجلسها الجماعي، وظل يقدم نفسه باعتباره صاحب حصيلة إيجابية في تدبير شؤونها.
إذا كانت تلك الحصيلة بالفعل إيجابية كما يؤكد الأزمي في كل مناسبة، فلماذا لم يختر العودة إلى فاس؟ ولماذا لم يطلب من الناخب الفاسي، الذي تابع تجربته عن قرب، أن يجدد الثقة فيه؟ أليس من الطبيعي أن يكون أول من يحاكم تجربة أي مسؤول هو المواطن الذي عاش تفاصيلها اليومية؟ أم أن عرض الحصيلة على أصحابها أصبح اليوم أكثر كلفة من البحث عن دائرة انتخابية جديدة؟ هذه الأسئلة لم يطرحها الخصوم السياسيون وحدهم، بل فرضها القرار نفسه، لأن الانتقال من مدينة إلى أخرى في لحظة انتخابية دقيقة لا يمكن أن يمر دون قراءة سياسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقيادي ظل لسنوات يعتبر فاس معقله السياسي الأول.
ويزداد هذا النقاش مشروعية إذا استحضرنا نتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021، التي شكلت واحدة من أقسى المحطات في المسار السياسي للأزمي وحزبه. ففي تلك الانتخابات خسر مقعده البرلماني بدائرة فاس الجنوبية بعدما حل في المرتبة الخامسة، في حين كانت الدائرة تمنح أربعة مقاعد فقط، كما تلقى حزب العدالة والتنمية ضربة انتخابية غير مسبوقة بمدينة فاس، بعدما فقد جميع مقاعده البرلمانية التي كان يتوفر عليها. لذلك، يصعب على المتابعين تجاهل سؤال يبدو بديهيًا: إذا كانت تجربة الأزمي ناجحة كما يقول، فلماذا لم يختر العودة إلى المدينة نفسها لإقناع ناخبيها مجددًا؟ ولماذا فضل فتح صفحة جديدة في دائرة أخرى بدل محاولة استعادة ثقة الناخب الذي سبق أن منحه ثقته؟
ولعل أكثر ما زاد من حدة الجدل هو التبرير الذي قدمه الأزمي لاختياره دائرة الصخيرات-تمارة، حين قال إنه يقيم بها منذ حوالي عشرين سنة. غير أن هذا التبرير، بدل أن يغلق باب النقاش، فتح أبوابًا أخرى أكثر إحراجًا. فإذا كان معيار الترشح هو محل الإقامة، فلماذا ظل الأزمي، طوال عقدين من الزمن، يترشح بمدينة فاس؟ ولماذا لم يتذكر تمارة إلا بعد انتخابات 2021؟ وإذا كان يعتبر نفسه ابن هذه الدائرة بحكم الإقامة، فلماذا لم يخض فيها أي استحقاق انتخابي سابق؟ ثم لماذا لم يكن هذا المعيار حاضرًا عندما كان يطلب أصوات الفاسيين في كل الاستحقاقات السابقة؟ إنها أسئلة يعتبر كثير من المتابعين أنها لا تتعلق بالجغرافيا بقدر ما تتعلق بمنطق الاختيار السياسي وتوقيته.
ولأن السياسة لا تُقرأ فقط من خلال التصريحات، بل أيضًا من خلال الطريقة التي يتفاعل بها الرأي العام معها، فقد تحولت هذه المفارقة سريعًا إلى محور نقاش واسع داخل الأوساط المحلية بالصخيرات-تمارة، كما حضرت بقوة في عدد من التدوينات والتعليقات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى كثيرون أن الحديث عن الإقامة بعد سنوات طويلة من الترشح بفاس يثير من علامات الاستفهام أكثر مما يقدم من التفسيرات. وبين التعليقات الساخرة والنقاشات السياسية، ظل سؤال واحد يتردد بإلحاح: إذا كانت فاس هي عنوان المسار السياسي للأزمي طوال هذه السنوات، فلماذا أصبحت تمارة اليوم هي الوجهة الانتخابية؟ وهي أسئلة يرى كثيرون أن الجواب الحقيقي عنها لن يكون في التصريحات ولا في البلاغات، بل في صناديق الاقتراع يوم تشريعيات شتنبر.
غير أن الجدل لم يتوقف عند حدود انتقال الأزمي من فاس إلى تمارة، بل امتد إلى الطريقة التي حصل بها على تزكية الحزب. فبحسب المعطيات المتداولة، فإن التداول الذي أجرته الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية بالصخيرات-تمارة لم يضع الأزمي في صدارة المرشحين، بل حل في المرتبة الثالثة، وهو ما يعني أن مناضلي الحزب محليًا كانت لهم أسماء أخرى رأوا أنها أولى بتمثيلهم في هذه الدائرة. ورغم ذلك، حسمت الأمانة العامة الأمر لصالح الأزمي، وهو ما أعاد إلى الواجهة سؤالًا لا يقل إحراجًا: إذا كانت الهياكل المحلية هي الأقرب إلى نبض الإقليم والأدرى بكفاءاته، فلماذا لم يؤخذ برأيها؟ وما القيمة السياسية للتداول الداخلي إذا كان القرار النهائي يمكن أن يسير في اتجاه مغاير لما انتهت إليه المؤسسات الحزبية محليًا؟ ثم ماذا عن الأطر والمناضلين الذين اشتغلوا لسنوات داخل الدائرة وكانوا ينتظرون فرصة تمثيل حزبهم؟
ولا يمكن الحديث عن المسار السياسي للأزمي دون استحضار مسؤوليته الحكومية السابقة، حين كان وزيرًا منتدبًا مكلفًا بالميزانية، وواحدًا من أبرز المدافعين عن إصلاح صندوق المقاصة وتحرير أسعار المحروقات. صحيح أن الحزب دافع آنذاك عن القرار باعتباره إصلاحًا اقتصاديًا ضروريًا، غير أن خصومه لا يزالون يعتبرونه أحد أكثر الملفات التي أثرت في صورة العدالة والتنمية لدى جزء من الرأي العام، بالنظر إلى ما أعقبه من جدل واسع حول أسعار المحروقات والقدرة الشرائية للمغاربة، وهو ملف يعود إلى الواجهة كلما اقتربت المواعيد الانتخابية.
اليوم، يبدو أن إدريس الأزمي يدخل غمار تشريعيات شتنبر وهو محاط بمجموعة من الأسئلة التي فرضتها اختياراته السياسية أكثر مما فرضها خصومه. لماذا لم يعد إلى فاس إذا كان مقتنعًا بحصيلته؟ ولماذا أصبح معيار الإقامة صالحًا اليوم ولم يكن كذلك بالأمس؟ ولماذا لم يكن الخيار الأول لمناضلي حزبه داخل الدائرة التي سيترشح فيها؟ وكيف سيقنع ناخبي الصخيرات-تمارة بأن اختياره لهذه الدائرة يعكس قناعة سياسية راسخة، وليس مجرد قراءة انتخابية جديدة بعد نتائج 2021؟ قد تختلف الإجابات، وقد تتعدد التأويلات، لكن المؤكد أن هذه الأسئلة سترافق الأزمي طوال حملته الانتخابية، لأن السياسة، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بما يقوله السياسي عن نفسه، وإنما أيضًا بمدى انسجام خطابه مع اختياراته، وبالرسائل التي تبعث بها أفعاله قبل كلماته.
