حالة عابرة أم ظاهرة مزمنة؟.. "مزراري" يكشف لـ"أخبارنا" خلفيات ودلالات الهجرة الجماعية نحو سبتة

حالة عابرة أم ظاهرة مزمنة؟.. "مزراري" يكشف لـ"أخبارنا" خلفيات ودلالات الهجرة الجماعية نحو سبتة

أخبارنا المغربية ـــ عبدالإله بوسحابة

لم تعد مشاهد المئات من الأشخاص وهم يحاولون الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، برا أو بحرا، مجرد صور عابرة أثارت الانتباه على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت خلال وقت وجيز إلى حدث فرض نفسه بقوة على النقاش العمومي، وفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز تفاصيل محاولات العبور إلى البحث في الأسباب والدوافع والخلفيات التي تقف وراء هذه الموجة غير المألوفة من الهجرة الجماعية.

فهل نحن أمام حالة استثنائية فرضتها ظروف ظرفية سرعان ما ستتلاشى، أم أن ما حدث يمثل مؤشرا على ظاهرة أعمق قد تجد طريقها إلى التكرار مستقبلا؟ وهل يكفي العامل الاقتصادي لتفسير خروج شباب ونساء وأطفال، بل وأسر كاملة، في محاولة للوصول إلى الضفة الأخرى، أم أن هناك عوامل اجتماعية ونفسية وسياسية وثقافية تتداخل في صناعة هذا السلوك الجماعي؟

أسئلة كثيرة حاول الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الهادي مزراري تفكيكها في تصريح خص به موقع "أخبارنا المغربية"، مقدما قراءة متعددة الأبعاد للحدث، ومؤكدا أن اختزال الظاهرة في سبب واحد، سواء كان اقتصاديا أو سياسيا، لن يكون كافيا لفهم خلفياتها الحقيقية.

في سياق متصل، يرى مزراري أن المشهد الذي رافق محاولات اختراق الأسيجة المحيطة بسبتة، برا وبحرا، سرعان ما تحول، بفعل الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو والصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي والتغطية الإعلامية المكثفة، إلى ما يشبه "كرة الثلج"، حيث أصبح كل انتشار جديد للمشاهد يشجع على مزيد من التفاعل، ويجعل الظاهرة أكثر اتساعا وتعقيدا.

وبحسب المتحدث، فإن القراءة السياسية كانت من أولى القراءات التي رافقت الحدث، وهو أمر يعتبره طبيعيا بالنظر إلى حساسية ملف الهجرة وارتباطه بصورة الدولة وسياساتها العمومية، فضلا عن اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، الأمر الذي يفتح المجال أمام مختلف الأطراف لمحاولة استثمار الحدث في الصراع السياسي.

وفي هذا السياق، يوضح مزراري أن جزءا من الرأي العام تعامل مع موجة الهجرة باعتبارها تعبيرا عن الإحباط وغياب الأمل، وربطها بمشاعر التهميش والإقصاء والرغبة في البحث عن الكرامة وتحسين ظروف العيش، في حين وجدت فيها بعض الأصوات المعارضة فرصة لتحميل الحكومة مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت، بحسب قراءتها، عددا من المواطنين إلى التفكير في الهجرة بهذه الطريقة.

ولا يقف الأمر، وفق مزراري، عند حدود النقاش الداخلي، إذ إن الحدث حظي أيضا باهتمام إعلامي وسياسي خارج المغرب، خصوصا في إسبانيا بحكم القرب الجغرافي وارتباطها المباشر بملف الهجرة، إلى جانب اهتمام وسائل إعلام أوروبية بالنظر إلى حساسية القضية بالنسبة للقارة الأوروبية.

كما توقف المتحدث عند التغطية الجزائرية للحدث، معتبرا أنها تعاملت معه باعتباره فرصة لتسجيل نقاط سياسية ضد المغرب، في سياق التنافس والتوتر القائم بين البلدين، وهو ما يجعل بعض وسائل الإعلام الخارجية، بحسب تقديره، تتجاوز أحيانا البعد الإخباري للحدث نحو توظيفه سياسيا.

غير أن مزراري يؤكد في المقابل أن القراءة السياسية، مهما كانت مهمة، لا تكفي وحدها لتفسير ما حدث، معتبرا أن فهم الظاهرة يقتضي التوقف عند العامل الاقتصادي، ثم الانتقال إلى العوامل الاجتماعية والنفسية التي قد تكون أكثر عمقا وتأثيرا.

فعلى المستوى الاقتصادي، تبدو البطالة وتدني الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة وتراكم الديون والرغبة في تحسين مستوى الحياة من بين أبرز العوامل التي يمكن أن تدفع الفرد إلى التفكير في الهجرة، خصوصا عندما تتحول الضفة الأخرى في مخيلته إلى مساحة للفرص والحياة الأفضل.

لكن الكاتب الصحفي والمحلل السياسي يطرح في المقابل سؤالا جوهريا: هل بلغت الأوضاع الاقتصادية لجميع المشاركين في هذه الموجة درجة الفقر المدقع التي تفسر المخاطرة بحياتهم من أجل العبور؟

ويستند مزراري في طرحه إلى طبيعة الفئات التي ظهرت في المشاهد المتداولة، والتي لم تقتصر على شباب عاطلين عن العمل، وإنما شملت أطفالا وفتيات ونساء ورجالا وأزواجا وأسرًا كاملة، وهو ما يجعله يعتبر أن التفسير الاقتصادي وحده يبقى عاجزا عن تقديم إجابة كاملة عن الظاهرة.

ومن هنا، ينتقل مزراري إلى العاملين الاجتماعي والنفسي، ويطرح سؤالا أكثر عمقا: "مم يهرب الناس؟ ولماذا يهربون؟"، مشيرا إلى أن المغرب مر، خلال مراحل مختلفة من تاريخه، بظروف اقتصادية واجتماعية أكثر صعوبة، ومع ذلك لم يكن يعرف بالضرورة هذا الشكل من "الهروب الجماعي".

ويرى المتحدث أن الإجابة عن هذا السؤال ترتبط أيضا بالتحولات الكبرى التي عرفها المجتمع خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وفي مقدمتها الثورة الرقمية والانفتاح غير المسبوق على العالم.

فمع الانتشار الواسع للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، انهارت إلى حد كبير الحواجز التي كانت تفصل بين المجتمعات، وأصبح الفرد يعيش يوميا أمام صور وأنماط حياة مختلفة، يرى فيها مستوى من الرفاه والحرية والفرص قد لا يجد له مثيلا في واقعه، وهو ما قد يعمق لدى بعض الفئات الشعور بالفوارق ويدفعها إلى البحث عن مخرج خارج حدود البلد.

ويعتبر مزراري أن الإنترنت قرب البعيد، لكنه في الوقت نفسه أبعد القريب، بعدما أصبح جزء كبير من العلاقات الإنسانية والاجتماعية يتم داخل فضاء افتراضي عابر للحدود، بما حمله ذلك من أفكار وسلوكيات ونماذج جديدة لم تكن تنتشر بالسرعة نفسها في السابق.

كما يتوقف المتحدث عند التحولات التي عرفتها الأسرة المغربية، معتبرا أن بعض مظاهر التعامل مع مبدأ المساواة بين الجنسين ساهمت، بحسب قراءته، في إعادة تشكيل الأدوار التقليدية داخل الأسرة، وما رافق ذلك من تحولات في طبيعة العلاقات الأسرية والاجتماعية.

وفي السياق نفسه، يرى مزراري أن الانفتاح على العالم وحقوق الإنسان والحريات العامة تظل في جوهرها مكتسبات مهمة، غير أن طريقة تنزيل بعض هذه المبادئ واستثمارها، في نظره، تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن، بما يحافظ على هيبة القانون ويضمن احترام القواعد المنظمة للمجتمع.

كما وجه المتحدث انتقادات إلى المشهد الإعلامي والرقمي، معتبرا أن الانتشار الكبير للمواقع الإلكترونية والقنوات على "يوتيوب" وصفحات التواصل الاجتماعي أتاح المجال أمام محتويات يرى أنها تساهم في إضعاف منظومة القيم، خصوصا عندما يتحول الإعلام، بحسب تعبيره، إلى مجال مفتوح لمن لا يمتلكون بالضرورة التكوين أو الالتزام المهني الضروري لممارسة هذه المهمة.

ويرى مزراري أن خطورة هذا التحول لا ترتبط فقط بمستوى المحتوى المنشور، وإنما أيضا بقدرته على التأثير في وعي الأفراد، خصوصا فئة الشباب، وتقديم نماذج للحياة قد تجعل بعضهم ينظر إلى الواقع الذي يعيش فيه باعتباره أقل قيمة من واقع افتراضي يتم تسويقه باستمرار عبر الشاشات.

وفي قراءة مرتبطة بسيادة القانون، يعتبر المتحدث أن حماية الحقوق والحريات لا ينبغي أن تتعارض مع الحفاظ على سلطة القانون وهيبة المؤسسات، مشيرا إلى أن أي اختلال في هذا التوازن قد يؤدي إلى انعكاسات سلبية على سلوك الأفراد وعلاقتهم بالقانون والمؤسسات والفضاء العام.

وبناء على هذه القراءة متعددة الأبعاد، يخلص الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عبد الهادي مزراري إلى أن موجة الهجرة الجماعية نحو سبتة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد حادث عرضي سرعان ما سينتهي، محذرا من إمكانية تحولها إلى ظاهرة مزمنة إذا لم تتم معالجة الأسباب العميقة التي تقف وراءها.

وعلى المستوى السياسي، يرى مزراري أن المطلوب هو التأكد من واقعية المخططات والبرامج العمومية، وقياس مدى نجاعتها على أرض الواقع، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى لا تتحول الوعود والبرامج إلى مصدر إضافي للإحباط وفقدان الثقة.

أما اقتصاديا، فيشدد على ضرورة تشخيص مكامن الخلل، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحسين ظروف العيش، ومحاربة اقتصاد الريع والفساد، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص حقيقية تتيح للشباب والأسر بناء مستقبلهم داخل بلدهم.

وعلى المستوى الاجتماعي، يدعو المتحدث إلى إيلاء منظومة التربية والأسرة والإعلام أهمية أكبر، والعمل على ترسيخ قيم المواطنة والانتماء والمسؤولية، وتعزيز سيادة القانون، إلى جانب مراجعة الاختلالات التي يرى أنها أصبحت تؤثر في تماسك الأسرة والمنظومة القيمية للمجتمع.

وبذلك، فإن سؤال سبتة، وفق قراءة عبد الهادي مزراري، لا يتعلق فقط بمن حاول العبور ومن أين أتى وإلى أين يريد الوصول، وإنما يطرح سؤالا أعمق حول المجتمع نفسه: ماذا تغير في طريقة تفكير المغاربة خلال السنوات الأخيرة؟ ولماذا أصبحت فكرة الهجرة بالنسبة إلى بعض الفئات أقرب إلى "الهروب" منها إلى مجرد البحث عن فرصة اقتصادية؟

وإذا كانت موجة سبتة قد انتهت ميدانيا بعودة الهدوء إلى المنطقة، فإن الأسئلة التي خلفتها لم تنته بعد، بل قد تكون، بحسب هذه القراءة، أهم من الحدث نفسه. فالمعالجة الأمنية قد تكون قادرة على احتواء محاولة عبور، لكنها لن تكون كافية وحدها لمنع تكرار الظاهرة إذا بقيت أسبابها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية قائمة.

ومن هنا، تبدو الإجابة عن سؤال: "حالة عابرة أم ظاهرة مزمنة؟"، مرتبطة ليس فقط بما ستشهده الحدود خلال الأيام المقبلة، وإنما بمدى قدرة مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع على فهم الرسائل التي حملتها هذه الموجة، ومعالجة أسبابها قبل أن تتحول من مشهد استثنائي إلى سلوك جماعي متكرر يصعب احتواؤه مستقبلا.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة