في ذكرى ثورة الملك والشعب، لا يستقيم استحضار الماضي دون التوقف عند حاضر مغرب تغيرت ملامحه بشكل لافت خلال 27 سنة من عهد جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده. فالثورة التي انطلقت سنة 1953 دفاعا عن الشرعية والسيادة والوطن، تحولت في عهد جلالته إلى ورش وطني متواصل عنوانه بناء مغرب قوي، حديث، متماسك وقادر على صناعة موقعه بين الأمم. فمنذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين سنة 1999، انطلقت مسيرة إصلاح وتحديث شملت مختلف المجالات، وجعلت من التنمية والبنية التحتية والعدالة الاجتماعية وتعزيز مكانة المملكة في محيطها الإقليمي والدولي عناوين بارزة لمرحلة أعادت رسم ملامح المغرب الحديث.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المسيرة هو حجم التحول الذي عرفته البنية التحتية والاقتصادية للمملكة. فمن الطرق السيارة والسكك الحديدية الحديثة، إلى القطار فائق السرعة "البراق"، وميناء طنجة المتوسط الذي أصبح واحدا من أبرز الموانئ العالمية، وصولا إلى مشاريع الطاقات المتجددة والصناعة والسيارات والطيران واللوجستيك، انتقل المغرب من مجرد سوق إقليمية إلى منصة اقتصادية تستقطب استثمارات كبرى وتحظى بثقة شركات عالمية. كما امتدت هذه الدينامية إلى مختلف جهات المملكة، بما فيها الأقاليم الجنوبية، التي تحولت إلى ورش تنموي مفتوح، في تجسيد عملي لفكرة أن الوحدة الترابية والتنمية وجهان لمشروع وطني واحد.
وفي المجال الاجتماعي، شهدت المملكة بدورها تحولات عميقة، بدءا من المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مرورا بمختلف برامج محاربة الفقر والهشاشة، وصولا إلى الورش الملكي الكبير لتعميم الحماية الاجتماعية والدعم المباشر، وهو ورش أعاد تعريف علاقة الدولة بالفئات الأكثر احتياجا. كما حظيت قطاعات الصحة والتعليم والسكن والتشغيل باهتمام متواصل، إلى جانب دعم العالم القروي وتقليص الفوارق المجالية. ورغم أن عددا من التحديات الاجتماعية والاقتصادية لا تزال قائمة، فإن حجم الأوراش المفتوحة يعكس بوضوح انتقال المغرب نحو بناء منظومة أكثر شمولا، يكون فيها الإنسان في صلب السياسات العمومية، والتنمية مرتبطة بشكل مباشر بتحسين شروط العيش والكرامة.
وعلى المستوى الدولي، تمكن المغرب خلال هذه المرحلة من بناء حضور وازن تجاوز بكثير محيطه التقليدي. فقد عاد بقوة إلى عمقه الإفريقي، وأصبح شريكا استراتيجيا لعدد متزايد من الدول، بفضل دبلوماسية اقتصادية وسياسية نشطة جعلت من المملكة جسرا بين أوروبا وإفريقيا، وبين الشمال والجنوب. وفي قضية الصحراء المغربية، حققت المملكة مكاسب دبلوماسية متتالية، عززت موقع مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الجدي والواقعي لتسوية هذا النزاع المفتعل، بالتوازي مع توسع شبكة القنصليات و الاعترافات والمواقف الدولية الداعمة لمغربية الصحراء. كما أن مشاريع كبرى مثل المبادرة الأطلسية، والاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030، يعكسان طموح مغرب لم يعد يكتفي بموقع المتفرج، بل يريد أن يكون فاعلا ومؤثرا في محيطه والعالم.
لهذا، فإن الاحتفال بذكرى ثورة الملك والشعب اليوم ليس مجرد وقوف عند محطة من تاريخ مضى، بل هو استحضار لمسيرة طويلة ومتواصلة عنوانها التلاحم بين العرش والشعب، وإرادة بناء مغرب أقوى وأكثر حضورا وتأثيرا. وإذا كانت ثورة الأمس معركة من أجل الحرية والاستقلال واستعادة السيادة، فإن ثورة اليوم هي معركة التنمية والسيادة الاقتصادية والأمن المائي والغذائي والطاقي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والدفاع عن الوحدة الترابية.
وبين الأمس واليوم، تبدو حصيلة 27 سنة من حكم جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، أكبر من أن تختزل في أرقام أو مشاريع، إنها قصة تحول تدريجي وعميق جعل المغرب أكثر ثقة في نفسه، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر حضورا في محيطه، وهي مسيرة تؤكد أن ثورة الملك والشعب لم تكن لحظة تاريخية انتهت، وإنما روح وطنية تتجدد كلما احتاج المغرب إلى أن يرفع سقف طموحه ويصنع مستقبله بيده.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.