القائمة الرئيسية
أخبارنا

من وعود البيجيدي إلى رهانات الأحرار.. أي الحكومات كانت أكثر نجاحا في امتحان التنفيذ؟

من وعود البيجيدي إلى رهانات الأحرار.. أي الحكومات كانت أكثر نجاحا في امتحان التنفيذ؟

ليس من السهل إصدار حكم عادل على تجربة حكومية من دون وضع حصيلتها في سياق الظروف التي اشتغلت فيها. ومن هذه الزاوية تحديدا، تبدو المقارنة بين حكومة عزيز أخنوش وحكومتي العدالة والتنمية أكثر تعقيدا مما توحي به المواقف السياسية المتداولة، لأن كل تجربة جاءت في ظرفية مختلفة، ولكل حكومة سقف من الوعود والإمكانات والرهانات.

حين وصلت حكومة أخنوش إلى السلطة في أكتوبر 2021، لم تكن أمامها ظروف اقتصادية واجتماعية عادية. فقد تسلمت البلاد وهي بالكاد تخرج من تداعيات جائحة كورونا، قبل أن تجد نفسها في مواجهة الحرب الروسية الأوكرانية وما رافقها من ارتفاع كبير في أسعار الطاقة والحبوب والأسمدة والنقل، بالتزامن مع سنوات متتالية من الجفاف وأزمة الماء، ثم زلزال الحوز سنة 2023. وفي الوقت نفسه، كانت الدولة تدخل مرحلة غير مسبوقة من التحضير لكأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، بما يفرضه ذلك من استثمارات ضخمة في الملاعب والطرق والمطارات والسكك والنقل والبنيات السياحية.

ولم تكن هذه التحديات منفصلة عن ورش آخر لا يقل كلفة، يتعلق بإعادة بناء منظومة الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية وإطلاق الدعم الاجتماعي المباشر. وهكذا وجدت حكومة أخنوش نفسها مطالبة بتدبير أزمات طارئة، وحماية القدرة الشرائية، والحفاظ على التوازنات المالية، وتمويل استثمارات كبرى، وإطلاق إصلاحات اجتماعية وهيكلية في الوقت نفسه. وهذه معطيات لا يمكن تجاهلها عند تقييم حصيلتها.

ورغم ذلك، فإن هذه الظروف الصعبة لا تمنح الحكومة شيكا على بياض، فالمعيار الحقيقي يبقى في مدى قدرتها على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة. وفي هذا الجانب، يمكن تسجيل عدد من الأوراش التي انتقلت خلال الولاية من مرحلة التصور إلى التنفيذ، وعلى رأسها الدعم الاجتماعي المباشر وتوسيع منظومة الحماية الاجتماعية، فضلا عن تسريع الاستثمارات العمومية المرتبطة بالبنية التحتية والاستحقاقات الرياضية الكبرى. كما استعادت وتيرة النمو الاقتصادي جزءا مهما من عافيتها بعد صدمة كورونا والجفاف.

لكن الصورة لا تبدو حتى تلك المرحلة وردية بالكامل. فالبطالة ظلت واحدة من أكبر نقاط الضعف، خصوصا في صفوف الشباب، كما بقيت القدرة الشرائية وجودة الخدمات الصحية والتعليمية في صلب الانتقادات الموجهة للحكومة. لأجل ذلك فإن القول بنجاحها النسبي لا يعني أنها حققت كل وعودها، وإنما يعني أن حجم ما أنجزته ينبغي أن يقاس أيضا بصعوبة الظرفية وحجم الأزمات التي واجهتها وكلفة تدبيرها.

وهنا تصبح المقارنة مع حكومتي العدالة والتنمية أكثر دلالة، ولكن بشروطها التاريخية. فقد وصلت حكومة عبدالإله بنكيران إلى السلطة سنة 2012 في سياق اقتصادي واجتماعي أكثر استقرارا نسبيا من الظرفية التي عرفتها حكومة أخنوش لاحقا. صحيح أن حكومة بنكيران واجهت ملفات صعبة، في مقدمتها عجز الميزانية وكلفة صندوق المقاصة وارتفاع أسعار الطاقة، كما واجهت خلافات داخل أغلبيتها، لكنها لم تعمل في ظل سلسلة متزامنة من الصدمات العالمية والداخلية بالحجم الذي عرفه المغرب خلال ولاية عزيزأخنوش.

وفي المقابل، دخل بنكيران الحكومة بسقف مرتفع من الوعود الإصلاحية، خاصة ما يتعلق بمحاربة الفساد وتحسين الحكامة وإصلاح الاقتصاد والمالية العمومية وتعزيز العدالة الاجتماعية. وقد شهدت ولايته إصدار قرارات حركت غضب الشارع، أبرزها إصلاح نظام المقاصة، كما واجهت أيضا انتقادات واسعة بشأن عدم ترجمة البرنامج الانتخابي والخطاب الإصلاحي إلى نتائج ملموسة في عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.

أما حكومة سعد الدين العثماني، التي تولت المسؤولية سنة 2017، فقد ورثت عددا من الملفات والإصلاحات التي بدأت في عهد حكومة بنكيران، وواصلت تنفيذ جزء منها، كما أطلقت بدورها برامج وإجراءات في المجالين الاقتصادي والاجتماعي. غير أن السنة الأخيرة من ولايتها تزامنت مع جائحة كورونا، التي شكلت صدمة استثنائية أربكت الحسابات الاقتصادية والاجتماعية وفرضت على الدولة تعبئة واسعة لحماية الأسر والمقاولات والحفاظ على استمرارية الاقتصاد. ولذلك، فإن تقييم حكومة العثماني يحتاج إلى التمييز بين أدائها قبل الجائحة وبين ما فرضته ظروف سنة 2020 الاستثنائية.

وهنا تحديدا تظهر المفارقة التي تجعل تقييم حكومة أخنوش أكثر تعقيدا وإنصافا. فهي لم تدخل السلطة في ظروف مثالية، بل واجهت منذ بدايتها تداعيات أزمة صحية عالمية، ثم أزمة جيوسياسية واقتصادية، وجفافا متواصلا، وزلزالا مدمرا، وورش استثمارات غير مسبوق استعدادا لاستحقاقات رياضية قارية وعالمية. ومع ذلك، تمكنت من تنزيل عدد من الأوراش التي شكلت جزءا أساسيا من برنامجها، وفي مقدمتها الدعم الاجتماعي المباشر وتسريع تعميم الحماية الاجتماعية والاستمرار في الاستثمار العمومي.

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو حصيلة حكومة أخنوش قابلة للدفاع عنها باعتبارها نجاحا نسبيا، لا نجاحا كاملا. فقد أنجزت أوراشا استراتيجية وأطلقت منظومة اجتماعية جديدة وحافظت على الاستثمار في وقت كانت فيه الدولة مطالبة بتمويل أزمات متتالية. لكن في المقابل، لم تنجح بالقدر نفسه في معالجة الملفات التي تهم المواطن مباشرة، وعلى رأسها التشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات العمومية.

أما حكومتا العدالة والتنمية، فالمشكلة الأساسية في تقييم تجربتيهما ليست غياب الإنجازات بالكامل، وإنما اتساع الفجوة بين سقف الطموحات والوعود التي قدماتها وبين مستوى التنزيل الفعلي في عدد من الملفات. فقد دخلتا الحكم بخطاب إصلاحي قوي وانتظارات شعبية مرتفعة، لكن تعقيدات الواقع السياسي والاقتصادي، إلى جانب محدودية النتائج في ملفات أساسية، جعلت الحصيلة دون مستوى ما كان ينتظره جزء من المواطنين.

وبذلك، لا يصح اختزال المقارنة في القول إن حكومة أخنوش "نجحت" بينما حكومتا البيجيدي "فشلتا"، كما لا يصح وضع التجارب الثلاث في ظروف واحدة. الأدق هو القول إن حكومتي بنكيران والعثماني اشتغلتا في ظروف أكثر استقرارا نسبيا، ورفعتا سقف الوعود والإصلاحات، لكنهما واجهتا صعوبات في تحويل جزء مهم منها إلى نتائج بالمستوى المعلن، بينما اشتغلت حكومة أخنوش في ظرفية أكثر قسوة، وتمكنت رغم ذلك من تحقيق جزء مهم من التزاماتها وإطلاق أوراش كبرى.

ومع ذلك، فإن هذا التقييم لا ينبغي أن يتحول إلى صك براءة لحكومة أخنوش. فالمواطن لا يعيش داخل أرقام الاستثمار ولا داخل المؤشرات الاقتصادية الكبرى، وإنما يعيش أثرها في العمل والدخل والأسعار والمستشفى والمدرسة والسكن. ولهذا ستظل قيمة أي حصيلة حكومية مرتبطة في النهاية بمدى نجاحها في تحويل الإصلاحات والمشاريع إلى تحسن ملموس في الحياة اليومية.

وبين حكومات رفعت سقف الوعود، وأخرى وجدت نفسها أمام عاصفة من الأزمات، يبقى المعيار الأكثر عدلا هو قياس ما تحقق مقارنة بما وعدت به كل حكومة، وفي ضوء الظروف التي اشتغلت فيها. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار حكومة أخنوش صاحبة حصيلة ناجحة نسبيا بالنظر إلى حجم التحديات التي واجهتها، مع بقاء ملفات أساسية دون الحسم المطلوب، بينما تبقى حصيلة حكومتي البيجيدي أكثر عرضة للنقد من زاوية الفجوة بين سقف الخطاب والبرنامج الانتخابي وبين مستوى التنفيذ والنتائج.

أضف تعليقك

شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.

النشر بعد المراجعة
من 30 إلى 1000 حرف — لا تُقبل الروابط أو أكواد HTML. 0 / 1000
ضوابط النشر

التعليقات المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع. يُمنع التجريح أو الإساءة للأشخاص والمقدسات، وقد يُحذف المحتوى المخالف.