لم تكن عودة البرلماني عبدالعزيز باريك، المعروف باسم "أسامة"، من قبة البرلمان بالرباط إلى السوق الأسبوعي بإملشيل، بعد مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027، مجرد ظهور شكلي في فضاء محلي، بل تحولت إلى مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري حول طبيعة العلاقة التي تربط ممثلي الأمة بالمواطنين، ومدى قدرتهم على الحفاظ على التواصل معهم خارج المناسبات الانتخابية.
ويرى متابعون أن أهمية هذه الخطوة تكمن في توقيتها، إذ تأتي بعد الانخراط في العمل البرلماني، وليس خلال حملة انتخابية أو مناسبة رسمية تستدعي الظهور أمام الناخبين. واعتبر مهتمون أن العودة إلى فضاءات الحياة اليومية للساكنة تعكس، متى كانت ممارسة مستمرة، نوعا من الالتزام الذي يفترض أن يرافق المسؤول المنتخب طوال فترة انتدابه، لا أن يرتبط فقط بمحطات محددة.
كما شدد نشطاء على أن السوق الأسبوعي بإملشيل ليس مجرد فضاء للتبضع وتبادل السلع، بل يشكل ما يشبه "البرلمان الحقيقي للساكنة"، حيث تطرح الانشغالات اليومية بعيدا عن لغة الخطابات الرسمية، وتتاح للمنتخب فرصة الإنصات المباشر إلى المواطنين والوقوف على انتظاراتهم ومشاكلهم. ويرى متابعون أن مثل هذه اللقاءات تتيح للمسؤول فهم نبض المنطقة بشكل أوضح، بعيدا عن التقارير المكتوبة والاجتماعات المغلقة.

ولفت مهتمون إلى أن ظهور باريك بالجلباب، في لباس قريب من الزي الذي يرتديه أبناء المنطقة، وعلى رأسهم قبائل آيت حديدو، يحمل بدوره دلالة رمزية، إذ يعكس صورة المنتخب الذي يتحرك وسط محيطه الاجتماعي دون تكلف أو استعراض للمكانة. وفي المقابل، يرى متابعون أن قيمة هذه الصورة لا تقاس باللباس وحده، بل بمدى انسجامها مع الممارسة اليومية والقدرة على التفاعل الفعلي مع انتظارات الساكنة.
وشدد نشطاء على أن أحد أبرز أسباب تراجع الثقة في العمل السياسي يرتبط بما وصفوه بالتواصل الموسمي، حين يقترب بعض المنتخبين من المواطنين خلال الحملات الانتخابية، قبل أن يتراجع حضورهم بعد الوصول إلى المؤسسات المنتخبة. واعتبروا أن النائب البرلماني مطالب بأن يظل ممثلا للساكنة طوال مدة انتدابه، وأن يكون قريبا من انشغالاتها، لا أن يستحضرها فقط مع اقتراب موعد الاستحقاقات.
ويرى متابعون أن العمل داخل المؤسسة التشريعية، مهما بلغت أهميته، يظل في حاجة إلى اتصال دائم بالواقع الميداني، لأن القضايا التي تناقش تحت قبة البرلمان تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين. فهناك امرأة تنتظر حلا لمشكل التزود بالماء الصالح للشرب، ورجل يأمل في تحسين الطريق الجبلية التي تربط دواره بمحيطه، وأسر تواجه تحديات يومية لا تظهر دائما في النقاشات السياسية العامة.

وبين الحضور داخل البرلمان والإنصات إلى المواطنين في الأسواق والقرى، تبرز مسؤولية المنتخب في الجمع بين العمل المؤسساتي والتواصل الميداني. ويرى مهتمون أن الثقة السياسية لا تبنى بالصور والمواقف الاستثنائية، بل تتعزز من خلال الحضور المستمر، والإنصات الجاد، والقدرة على تحويل انشغالات المواطنين إلى مبادرات ومواقف ملموسة.
وعموما، أعادت عودة باريك إلى سوق إملشيل فتح النقاش حول معنى التمثيل السياسي وحدود المسؤولية الانتخابية، في وقت بات فيه المواطن أكثر حاجة إلى منتخب يظل قريبا منه بعد انتهاء الحملة الانتخابية، كما كان قريبا منه قبلها. وهو ما يعيد إلى الواجهة سؤالا يختصر جوهر العلاقة بين الناخب وممثله: أين اختفى من صوتنا عليه؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.