د. عبد اللطيف بروحو - أخبارنا المغربية
بعد التأكيد شبه رسمي على اعتزام المغرب حل الحكومة والبرلمان عقب المصادقة على الدستور الجديد وتنظيم انتخابات تشريعية مبكرة أوائل شهر أكتوبر القادم، بدأ العد العكسي لحكومة عباس الفاسي التي لم تتعرض حكومة قبلها لهذا الكم من النحس ومن المشاكل.
وإذا كان المنطق يقتضي أن تكون لكل دستور جديد مؤسساته الدستورية التي تنتخَب في سياقه وبناء على مقتضياته، فإن النقاش الآن انتقل عمليا من مبدأ الانتخابات المبكرة إلى التكهن بالاحتمالات التي ستحملها الانتخابات القادمة بعد ثلاثة أشهر فقط، وأصبح المجال مفتوحا للتنافس على منصب أول رئيس وزراء في أول حكومة منتخبة بناء على أول دستور في عهد الملك محمد السادس.
هل سيختلف البرلمان القادم عن سابقه؟
يقضي المنطق السياسي أن يكون للدستور الجديد برلمانه الجديد وحكومته الجديدة اللذان سيمارسان اختصاصاتهما الجديدة الموسعة، لكن هل سيحقق المغرب فعلا هذا الرهان وسيكون لدينا برلمان حقيقي يمثل المواطنين وينتخب حكومة حقيقية؟
إن بوادر التعامل مع النص الدستوري الجديد لا تبشر بالخير، خاصة وأن الدولة تركز اهتمامها على الورش الدستوري وكأنه الغاية والهدف النهائي، في حين أن النص الأساسي للمملكة يعتبر في هذا السياق بمثابة الإطار العام لتحديد الاختصاصات والمهام المتعلقة بالسلط والمؤسسات الدستورية.
فلا أحد يناقش مسألة بقاء المجالس المحلية والإقليمية والغرف المهنية المنتخبة سنة 2009، والتي أدت طريقة انتخابها إلى إحداث فوضى عارمة على مستوى تدبير الشأن المحلي مما تسبب في جمود وشلل مطلق بمعظم المدن الكبرى (البيضاء، الرباط، سلا، طنجة، مكناس، وجدة، تمارة، مراكش...).
فبقاء هذه المؤسسات، والتي يُفترض أن تشهد تجديدا شاملا في ضوء الدستور الجديد، ستكون له تأثيرات سلبية فادحة، فهي من سيحدد الخريطة الانتخابية التشريعية القادمة.
فإضافة إلى أن بقاء الجماعات المحلية والغرف المهنية المنتخبة سنة 2009 يصبح بدون معنى وخارج المنطق الدستوري، لا يمكن أن نضمن تطبيق نظام جهوي متقدم، لأنه يتطلب لزاما إعادة النظر في الأساس في دور هذه الجماعات وفي مهامها واختصاصاتها وفي نظامها المالي بما يتلاءم مع ضرورة إقرار جهوية تدبيرية وتنموية حقيقية.
فجيش المنتخبين محليا ومهنيا يتجاوز عدده 30 ألف مستشار، ويتحكمون في مئات الآلاف من الرخص المهنية وجلهم قام خلال السنتين الماضيتين بربط علاقات مباشرة مع مئات الآلاف من المهنيين والصناع والتجار، ويتحكمون في ميزانيات سنوية بقيمة إجمالية تتجاوز 5500 مليار سنتيم...
هذه هي الصورة الانتخابية التي يعتزم المغرب تنظيم الاستحقاقات التشريعية القادمة على أرضيتها، فواهم من يظن أن النتائج ستختلف جذريا عن 2007، لأن من يتحكم في التدبير اليومي لشؤون المواطنين واستطاع ربط شبكات من العلاقات المصلحية عبر وسائل الجماعات هو من سيتحكم في النتائج الإجمالية والفعلية لمجلس النواب القادم.
وإذا كان شكل البرلمان القادم في ظل بقاء المجالس المحلية الحالية قد تم حسمه، فمن سيكون يا ترى الوزير الأول أو رئيس الوزراء القادم؟ وهل سيأتي الدستور الجديد بحل أكثر ديمقراطية؟
هوية الوزير الأول القادم:
إن التنصيص الدستوري وحده لا يكفي لنجزم بأن تعيين الوزير الأول سيكون من الحزب الفائز بالانتخابات التشريعية، فالتنزيل القانوني دائما ما يثير من الإشكالات ويضيف المزيد من الغموض السياسي على تطبيق نصوص الدستور.
فالحديث على مستوى الدستور على تعيين الوزير الأول من الحزب الأول ليس بالأمر الواضح أو المحسوم عمليا، فلا يمكن فيما بعد التكهن بالتأويلات التي ستعطى لشكل أو هوية الحزب الفائز بالانتخابات، هل هو الحزب الحاصل على أكثرية أصوات الناخبين، أم الحزب الحاصل على أكبر عدد من المقاعد، أم اتحاد الأحزاب الحاصل على أحدهما...؟
فالجميع الآن يظن أن أمر تعيين الوزير الأول القادم أمر محسوم، في حين أن الأمر ليس بهذه البساطة الظاهرة، لأن قانون الأحزاب يضم من المواد ما يعيد النقاش إلى المربع الأول ويفتح بابا لنقاش سياسي أعمق.
فقانون الأحزاب ينص صراحة على إمكانية تأسيس اتحادات الأحزاب مع بقاء كل حزب مؤسسة قائمة بذاتها، كما ينص على أن اتحادات الأحزاب تكتسي قانونيا نفس الصفة التي تمنح للأحزاب، بمعنى أن التعامل معها يكون وفق نفس منطق التعامل مع الأحزاب (في التمويل والالتزامات وجميع المقتضيات الأخرى).
فيمكن أن يحصل حزب معين على المرتبة الأولى في الانتخابات القادمة، ويتم الالتفاف مسبقا على هذا الأمر بتشكيل اتحادات للأحزاب احتياطا قبل الانتخابات من أجل فسح المجال لإمكانية استعمالها في حسم أمر تعيين الوزير الأول.
فالمادة 43 من قانون الأحزاب يُخضع اتحادات الأحزاب لنفس القواعد المطبقة على الأحزاب، والمادة 41 تسمح صراحة بانتظام (وليس اندماج) الأحزاب في اتحادات بهدف العمل جماعيا من أجل تحقيق غايات مشتركة، وهذا ما يسمح لها بتقديم ترشيحات مشتركة أو منفردة على حد سواء، وتستفيد عند إعلان النتائج من المرتبة التي تراها ملائمة لها.
وعلى هذا الأساس قد نجد الحركة الشعبية وباقي الأحزاب القريبة منها (الديمقراطية الاجتماعية، العهد، الوطني الديمقراطي...) تسارع لتقديم تصريحاتها لدى وزارة الداخلية لتشكيل اتحاد يضمها قبل الانتخابات، وكذلك الشأن بالنسبة للتجمع الوطني للأحرار مع الاتحاد الدستوري وما تبقى من الأصالة والمعاصرة، وقد تنتظم الكتلة الديمقراطية أيضا في اتحاد يسمح لها بالتنافس على الفوز بالمرتبة الأولى.
وهكذا حتى لو فاز العدالة والتنمية أو حزب آخر بالمرتبة الأولى كحزب منفرد، فسيجد نفسه أمام ظاهرة لم تخطر له على بال، ويتم عندها اللجوء إلى قانون الأحزاب لتجاوزه بشكل قانوني رغم أن روح الإصلاح الدستوري كانت تهدف إلى تمكين من فاز بالانتخابات بتشكيل الحكومة.
إن الصياغة الدستورية غالبا ما تكون ذات خطورة، لكن الأخطر منها التنزيل القانوني وتحقيق الشروط السياسية لإنجاح الإصلاح، فهل سنجد أنفسنا أمام نفس الممارسات الدستورية السابقة وبحكومة تشبه حكومة عباس الفاسي، أم يتم التعاطي مع هذا الأمر بالجدية السياسية المناسبة التي تسمح بتنزيل حقيقي للإصلاح الدستوري وتحقيق الشرط الديمقراطي من المراجعة الدستورية.
*دكتور في القانون
متخصص في العلوم الإدارية والمالية العامة
التعليقات
3آراء القراء مرتبة من الأحدث إلى الأقدم
marocaine
إو هاكّكْ غطِّ سنيناتك بش تبان زوينْ
محمد
يجب أن لا يعين بل ينتخب من الحزب الأول ديما تعيين تعيين تعيين هيا ما تبدل والو
مغربية
لمادا لا نتختار بانفسنا الوزير الاول وذالك باجراء انتخابات نزيهة حتى الشعب يحس ان له دور..