أخبارنا المغربية
عبد الحق بن محمد
كثير هم من أعلنوا موت الشعوب العربية، بل إن هناك من أعد كفنها وبدأ يستعد ليصلي الجنازة عليها، لكن بإحراق البوعزيزي نفسه يكون كشمعة أضاءت الملايين من العرب المتعطشين للحرية، فلو كان البوعزيزي يعلم أنه بإحراقه لنفسه سيوقد هاته الشرارة لفعلها لمرات ومرات، فهذه الشعوب عانت الكثير من الاستبداد والظلم وكانت تنتظر فقط المحفز لتدخل مغامرة فك قيودها بنفسها. وإذا أردنا أن نحلل الوضع، فمنذ انطلاق ثورة تونس حتى الآن، يمكن أن نقول بأن هذه الثورة بالإضافة إلى ثورة مصر هما الثورتين الناجحتين على الميدان بحيث أنهما أطاحتا برموز الفساد من بينها الرئيسين السابقين مبارك وبن علي، ولم تسجل كذلك خسائر كبيرة في الأرواح ولا حالات كثيرة من التعذيب ولا إتلاف للممتلكات. ومما حقق لهاتين الثورتين ذلك هو انضمام الجيش إليهما، ثم تدخله لحماية الشعب عوض حماية رموز النظام، ولو كان غير ذلك لدخلت تونس ومصر حمام دم يعلم الله متى سينتهي. عوض ذلك نجد أن جميع الثورات التي اندلعت بعد ثورتي تونس ومصر لم تنجح بعد في الوصول لهدفها الذي هو الإطاحة بالنظام أو إحداث تغييرات وتعديلات جذرية في الدستور والحكومات، ففي ليبيا اندلعت الثورة لأربعة أشهر تقريبا والحصيلة آلاف القتلى والمعطوبين وآلاف المنكوبين واللاجئين إلى دول الجوار، أما المهاجرين فجلهم عاد لوطنه الأصلي، مما خلق مشاكل اقتصادية لبلدانهم الأصلية والبلدان المجاورة والتي يقاوم أغلبها لتجاوز أزماتها الداخلية كما في تونس ومصر والمغرب. بل إن المثير في الأمر أنه لم يكن أحد يتوقع أن هذه الثورة ستتحول إلى حرب بين نظام يأبى الرحيل والمغادرة وثوار حددوا كشرط للتخلي عن السلاح سقوط نظام العقيد، ورغم تدخل قوات حلف الشمال الأطلسي المعروفة اختصارا بالنيتو في ليبيا فإن الكفة لم ترجح بعد لصالح الثوار رغم ما ينشره الإعلام، فكيف بحلف مكون من دول كبرى تحتوي على أعتى الأسلحة وأشدها فتكا وعلى تكنولوجيا متطورة أن يصعب عليها هزم شرذمة تسمى قوات العقيد القذافي، وهذا يطرح إشكالا آخر وهو إن كان هدف هذه الدول إنقاذ الشعب من سطوة هذا النظام ومساعدة الثوار أم أن لها هدفا آخر غير ذلك، فالبعض أشار إلى أن غرضها هو الاستفادة من نفط ليبيا واستغلال أمواله لفائدة شركات الإعمار التي ستحل بليبيا طبعا بعد سقوط العقيد، سقوط سيأتي لا محالة. وإذا كان دافع الشفقة والإنسانية هو الذي جعل هذه الدول تتدخل دون غيرها، فأين كانت منذ 23 سنة من حكم القذافي حيث نكل وعذب بالشعب الليبي وبذر أمواله في الفراغ وصرف الملايير منها على عائلته ومقربيه وبنيه، بل وألصق به صفة الغباء، وأصبح كل ليبي "غبي" حتى يثبت العكس؟ ألم تكن هذه الدول المتعامل الأول مع القذافي اقتصاديا فيما يخص النفط وكذلك سياسيا خاصة فرنسا، ففي الآونة الأخيرة قال سيف الإسلام الابن الأكبر للقذافي بأن ساركوزي تلقى أموالا خلال حملته الانتخابية في 2007، أموال أعطته الأسبقية في فرنسا ليفوز بحكمها، ولكي يتخلص ساركوزي من وصمة العار التي قد تلحقه عاجلا أم آجلا كان من بين الأوائل الذين أقروا بعدم شرعية نظام القذافي واعترفوا بالمجلس الانتقالي الليبي. من جهة أخرى، إذا انتصر الثوار على نظام القذافي فانتصارهم سيكون بالأحرى انتصارا مشروطا كما في العراق الذي قتل فيه الأميريكان أكثر مما قتل صدام، وأخاف على الليبيين من ترديد عبارة "حاكم ظالم خير من فتنة دائمة" كما يرددها العراقيون الآن، فالهدف في كلتا الحالتين هو استنزاف ثروات البترول والطريق الأسهل لذلك هو إدعاء إزاحة الطاغوت وضمان الديمقراطية للشعب. أتساءل دائما لماذا لم يكن التدخل في ليبيا عربيا أو أفريقيا بدل أن يكون غربيا، لكن فهمت بعد ذلك أنه لا يمكن لأحد أن يستر عورة الآخر وعورته مكشوفة. بعد ثورة ليبيا بأيام تندلع ثورة اليمن والتي شهدت أيضا التنكيل بالعباد أطفالا وشيوخا ونساء كانوا، وهذه المرة لم تتدخل الدول الغربية لأن اليمن ليست له ثروات تذكر، ولدفع الحرج عنها ألقت بعبارات نحفظها عن ظهر قلب "يجب حماية المدنيين، يجب أن يكون هناك انتقال سلس للسلطة،..." وكباقي رؤساء البلدان التي شهدت الثورات فإن الرئيس صالح بدأ بالاعتقالات والتقتيل بطرق مختلفة سواء عن طريق الجيش أو القناصة أو حتى المرتزقة، ثم انتقل إلى مرحلة الحوار والوعود بتعديلات دستورية وحكومية رغم أن ما يطالبه به الشعب هو رحيله، وفي هذا الإطار جاءت المبادرة الخليجية وذلك لتلميع صورة دول الخليج بعدما لم يتمكنوا من تلميعها في أماكن وفي مناسبات أخرى، مبادرة رفضها الثوار اليمنيون لأنها لا تلبي هدفهم الأساسي الذي هو رحيل عبد الله صالح، لتذهب تلك المبادرة دون رجعة، وفي الأخير تندلع المواجهات ويصاب صالح ليتم نقله إلى السعودية وبعد ذلك يتم نقل مقربيه إلى الإمارات لأجل سلامتهم، الشيء الذي اعتبرته بعض الدول الغربية كأمريكا فرصة للانتقال "السلس" للسلطة، بمعنى أن رحيل صالح وشيك، رحيل هو بالأحرى نجاة بالبدن والمال اليمني. أما في سوريا فالوضع لا يختلف فيها عن الوضع في الدول الثائرة، ويمكن القول بأنه أسوأ بكثير بحيث نجد أن النظام هاجم الشعب بالدبابات والمدفعيات والصواريخ وحاصر بها المدن والقرى واعتقل كل من طالت يده إليه، ولم يستثن من ذلك الصحفيين وغيرهم من المبعوثين لتقييم الوضع هناك، أما التعذيب فحدث ولا حرج، حيث طال حتى الأطفال، ورغم ذلك يبقى النظام السوري حرا طليقا كأنه يبيد حشرات وليس الإنسان. أما في دول أخرى عربية فقد تم إخماد الثورات الشعبية إما بالقتل أو الاعتقال كما في البحرين، أو بوعود إنعاش الاقتصاد والزيادة في الأجور كما في السعودية، أو بتعديلات دستورية تقلص من سلطات الملك وتزيل عنه صفة القداسة مع الزيادة في الأجور وتوفير فرص الشغل كما في المغرب. هذا الأخير لم تتولد فيه ثورة عشوائية، بل حركة شبابية سمت نفسها ب "حركة 20 فبراير" ـ تاريخ أول نزول لها للشارع ـ حركة فتحت الأبواب أمام جميع الأطياف السياسية المغربية بما فيها الإسلامية، خاصة جماعة العدل والإحسان التي تصفها السلطات المغربية بالمحظورة، وهي معروفة أيضا بمواقفها السياسية المثيرة للجدل. هذه الحركة ـ حركة 20 فبراير ـ استقبلها البعض بصدر رحب، والبعض الآخر شكك في قدرتها على إحداث تغيير في نظام سياسي يوصف بالمعقد، لكن بعد ذلك تتسع قاعدتها ويتم قبولها من طرف أغلبية الأطياف السياسية. بعد نزولها لأكثر من مرة إلى الشارع ورفع مطالب وشعارات لم ترفع من قبل من مثل إبعاد الأخطبوط الملتف حول القصر كالهمة والماجدي وغيرهم ثم تقليص سلطات الملك،... أتى خطاب 9 مارس الذي وعد فيه الملك محمد السادس بتعديلات دستورية صفقت لها الأحزاب السياسية الوطنية وكذلك بعض الجهات الخارجية كالإتحاد الأوربي بحيث وصفوها بالاستثنائية وأنها تبين مدى تجاوب الملك مع ما يشهده المغرب من تغييرات. ورغم ذلك تواصل نزول حركة "20 فبراير" إلى الشارع مما أثار حفيظة الملك ومعه النظام ككل، فقد حدد يونيو الجاري كآخر أجل لإتمام التعديلات على الدستور من طرف لجنة يقال عنها أنها لا تمثل جميع الأطياف السياسية المغربية وأن أغلبها من محيط القصر، وبالتالي فلن تأتي بجديد، غضب الملك يتبعه قمع لمظاهرات هذه الحركة، ونتيجة هذا القمع هو أول "شهيد" في الحركة اسمه كمال عماري.
أما شعوب دول أخرى فإنها ترجع إلى كنفها بعد أن تكتشف أنه يصعب عليها الدخول في المحك، كما هو الحال في الجزائر. وانتظارا لنتائج هذه الهبة العربية، أتساءل فقط إن كان هذا التحرك سينتج دولا ديمقراطية ومتقدمة كما هو الحال في أوروبا، أم أن بقايا النظام الخفية ستكبر وتتكاثر لترجع الوضع لحاله، وإن حدث وأن حضي بالحكم شباب ممن كانوا في الثورات والمظاهرات هل سيحدثون تغييرا حقيقيا؟ أم أنهم سيعيدون ما قام به أسلافهم، وبالتالي نصل إلى أن الاستبداد يتشربه العرب في حليب الأم وأنه لا وجود للديمقراطية في العقلية العربية؟ هل هو تغيير حقيقي عل الأبواب أم هبة ريح طالما ستخفت؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.