من المن والسلوى إلى البصل والعدس.. عندما تقتل "آفة الاعتياد" تقدير النعم لدى الإنسان
أخبارنا المغربية - عبدالفتاح عدلي
في أدبيات الذاكرة الإنسانية، تبرز قصة بني إسرائيل مع "المن والسلوى" كواحدة من أعمق الدروس النفسية والاجتماعية التي تُشرح مفهوم "جحود النعمة". ليست القصة مجرد سرد تاريخي لمطالب غذائية، بل هي تجسيد لظاهرة "الاعتِياد" التي قد تدفع الإنسان لتبديل الذي هو "خير" بالذي هو "أدنى".
الانحدار من "السماء" إلى "الطين"
تبدأ الواقعة حين سئم قومُ موسى من رزقٍ سماويٍّ ميسّر (المن والسلوى)، وهو طعامٌ يرمز للحرية والكرامة والرفاهية التي نالوها بعد عقود من عبودية فرعون. وبدلاً من استثمار هذا الفراغ في البناء الروحي والعقلي، ارتدت أبصارهم نحو الأرض، نحو "القثاء والفوم والعدس والبصل".
هذا الارتداد لم يكن طلباً للتنوع الغذائي فحسب، بل كان إعلاناً عن عدم الصبر على النعمة المتصلة بالسماء، والرغبة في العودة إلى كدح الأرض ومنتجاتها التي كانت تمثل -في ذلك الوقت- طعام الطبقات الكادحة والمستعبدة.
فخ "الذي هو أدنى"
حين وجه القرآن الكريم اللوم في قوله: "أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ"، لم يكن يذمُّ البصل أو العدس لذاتهما، فهما من طيبات ما تنبت الأرض، لكن الذم انصبَّ على "العقلية الاستبدالية". إنها عقلية الشخص الذي يملك الحرية والكرامة والرزق الرغيد، ثم يختار بملء إرادته العودة إلى قيود المادة وهموم الاستهلاك اليومي الصغير.
إنها فلسفة "الزهد في الموجود" والتعلق بـ "المفقود"، مهما كان المفقود أقل قيمة. وهي آفة تضرب المجتمعات حين تعجز عن تقدير النعم الكبرى (كالأمان، والحرية، والصحة، والرزق المستقر) لأنها أصبحت "مألوفة"، فتبدأ في البحث عن تفاهات الأمور وتضخيم النواقص.
واقعنا المعاصر.. هل نكرر التاريخ؟
إذا أسقطنا هذه الواقعة على واقعنا اليوم، سنجد "عقدة البصل والعدس" تتكرر في صور شتى:
في من يملك الاستقرار الأُسري ثم يبحث عن مغامرات عابرة تهدم كيانه.
في من يملك الصحة والوقت، ثم يبددهما في ملاحقة توافه الأمور الرقمية والمادية.
في المجتمعات التي تفرط في هويتها وقيمها (التي هي خير) لتعتنق قيم الاستهلاك المادي البحت (الذي هو أدنى).
إن شكر النعمة ليس مجرد لفظٍ باللسان، بل هو "وعيٌ بقيمتها" قبل زوالها. لقد كان "الهبوط" هو العقوبة المباشرة لمن لم يقدر قيمة "السمو"؛ فمن لم يرضَ بالرزق الهنيء والحرية المطلقة، حُكم عليه بالهبوط إلى "الأمصار" ليعاني مشقة البحث عن حبة عدس أو رأس بصل.
إن قصة "البصل والعدس" هي دعوة كونية لنتأمل في ما بين أيدينا من نعم قبل أن نملَّها، ولنتذكر دائماً أن "الاعتياد" هو العدو الأول للشكر، وأن الاستبدال قد يكون أحياناً تذكرة عودة إلى الوراء.

هشام المغربي
مررت بنفس التجربة
والله لقد مررت بنفس التجربة حيث انه كنت اشتغل والاموال تتقاطر علي من كل جهة لدرجة انني اذا خرجت من المنزل لا بد ان تكون في جيبي على الاقل خمسة الاف درهم ولن اقدر هاته النعمة حتى فقدت عملي ووصلت بيا الاحوال حتى انني لم اجد ولو درهم في جيبي انذاك فهمت ان الانسان لا يعرف قيمة الشيء حتى يفقده