هل تعرض الفراعنة فعلا لـ"مؤامرة تحكيمية" تروم إبعادهم عن المونديال؟.. معطيات جديدة تكشف كل المستور
أخبارنا المغربية – عبدالإله بوسحابة
مباشرة بعد نهاية مواجهة أمس الثلاثاء ضد الأرجنتين، لم يعد الحديث في مصر عن كرة القدم بقدر ما انصب بشكل كلي عن التحكيم. امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي باتهامات صريحة للحكم، وظهرت تحليلات تتحدث عن "مؤامرة" استهدفت إقصاء المنتخب المصري حفاظا على الأرجنتين، أحد أكثر المنتخبات جماهيرية وتسويقا في البطولة. ولم يتوقف الأمر عند حدود الجماهير، بل امتد إلى الجهاز الفني والاتحاد المصري لكرة القدم، اللذين اعتبرا أن عددا من القرارات التحكيمية كان له تأثير مباشر على نتيجة المباراة.
صحيح أنه لا يمكن إنكار أن اللقاء شهد حالات تحكيمية مثيرة للجدل، سواء تعلق الأمر بإلغاء الهدف المصري بعد تدخل تقنية الـ"فار"، أو المطالبة بركلة جزاء، أو بطريقة إدارة الحكم للمباراة في لحظاتها الأخيرة. ومن الطبيعي أن تبقى مثل هذه اللقطات محل نقاش بين الخبراء، لأن التحكيم، خصوصا في مباريات الإقصاء، يظل جزءا من اللعبة وقد يترك أثرا في مجرياتها.
غير أن تحويل هذه الوقائع إلى تفسير كامل للهزيمة يطرح إشكالا منطقيا يصعب تجاوزه. فلو كان المنتخب المصري متأخرا في النتيجة ثم حرمته صافرة الحكم من هدف التعادل أو من ركلة جزاء واضحة، لكان من السهل تحميل التحكيم مسؤولية الإقصاء. أما أن يكون الفريق متقدما بهدفين نظيفين حتى الدقيقة الثمانين، ثم يخرج خاسرا بثلاثة أهداف مقابل هدفين في الوقت الأصلي، فذلك يفرض البحث عن الأسباب الحقيقية أولا داخل الفريق نفسه قبل البحث خارجه.
هذه النقطة تحديدا هي التي تجاهلها كثيرون بقصد أو بغيره. فالمنتخب المصري لم يخسر بسبب قرار منفرد، بل خسر لأن المباراة خرجت تدريجيا من قبضته. والأرجنتين لم تعد إلى اللقاء بفضل صافرة الحكم، وإنما لأنها نجحت في استغلال كل الأخطاء التكتيكية والذهنية التي ارتكبها منافسها خلال الدقائق الأخيرة، وهي الأخطاء التي لا يمكن لأي حكم في العالم أن يصنعها أو يمنعها.
لقد بدأ المنتخب المصري المباراة بشجاعة كبيرة، ونجح في فرض أسلوبه على منافس يملك خبرة عالمية طويلة، بل وصل إلى التقدم بهدفين مستحقين. لكن بعد تحقيق هذه الأفضلية، كان المطلوب من الجهاز الفني أن يدير المباراة بعقلية مختلفة تماما. ففي مثل هذه المواجهات، لا تكمن قيمة المدرب في الخطة التي يبدأ بها اللقاء، بل في الطريقة والكيفية التي ينهي بها المباراة. وهنا ظهر الفارق بوضوح بين الجهازين الفنيين.
المدرب الأرجنتيني أدرك أن فريقه لن يستطيع العودة إذا استمر في اللعب بالإيقاع نفسه، فانتظر بصبر، وأعاد ترتيب أوراقه، واستثمر دكة البدلاء في التوقيت المناسب، ثم رفع نسق اللعب تدريجيا عندما بدأت علامات الإرهاق تظهر على لاعبي المنتخب المصري. لقد قرأ المباراة كما ينبغي أن يقرأها مدرب في بطولة عالمية، فاختار اللحظة التي يوجه فيها الضربة القاضية، ولم يبدد أوراقه قبل أوانها.
في المقابل، بدا المنتخب المصري أسير الحماس أكثر من كونه أسير الخطة. فاللاعبون، ومعهم الجهاز الفني، لم يحسنوا توزيع الجهد البدني على دقائق المباراة. استمروا في اللعب بالنسق المرتفع نفسه الذي بدأوا به اللقاء، وكأنهم يخوضون مباراة من ستين دقيقة لا تسعين. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق ينعكس على سرعة الارتداد، وعلى التمركز الدفاعي، وعلى القدرة على إغلاق المساحات، وهي التفاصيل الصغيرة التي تحسم عادة مباريات بهذا المستوى.
وهنا يتحمل حسام حسن ومعه شقيقه إبراهيم حسن المسؤولية الأكبر. فالمدرب مطالب، عندما يتقدم فريقه بهدفين أمام منافس بحجم الأرجنتين، بأن يعيد تشكيل المباراة وفقا لمصلحة فريقه. كان عليه أن يخفض الإيقاع، ويطالب لاعبيه بالاقتصاد في المجهود، وأن يفرض فترات طويلة من الاستحواذ كلما أمكن، وأن يكسر نسق اللعب كلما شعر بأن المنافس بدأ يستعيد أنفاسه. لكن ذلك لم يحدث، فبقيت المباراة مفتوحة، وبقيت الأرجنتين تجد المساحات التي تحتاجها للعودة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الدقائق الأخيرة كشفت أيضا عن مشكلة في إدارة الجهاز الفني للحظات الضغط. فبدل أن ينصب التركيز على قراءة التحولات التي أحدثها المنتخب الأرجنتيني، انشغل حسام حسن وشقيقه في احتجاجات وملاسنات متكررة مع الحكم. قد يكون الاعتراض حقا مشروعا، لكن المدرب في تلك اللحظات مطالب بأن يكون أكثر الأشخاص هدوءا داخل الملعب، لأن أي فقدان للتركيز على الخط ينتقل مباشرة إلى اللاعبين. وما حدث أوحى بأن الجهاز الفني خسر معركة الأعصاب في الوقت الذي كانت فيه المباراة تحتاج إلى أعلى درجات الصفاء الذهني.
والأكثر دلالة أن المنتخب المصري، حتى بعد استقبال هدف التعادل، لم يغير طريقته في إدارة اللقاء. كان المنطق الكروي يفرض إغلاق جميع المنافذ الدفاعية، وتقريب الخطوط، وقتل إيقاع المباراة بكل الوسائل المشروعة، والتفكير في بلوغ الأشواط الإضافية، حيث يمكن إعادة تنظيم الصفوف واستعادة الأنفاس. لكن الفريق استمر في اللعب بنفس الارتباك، لتجد الأرجنتين الطريق مفتوحا نحو هدف الانتصار.
لهذا، فإن الحديث عن "مؤامرة تحكيمية" قد يرضي الغضب الشعبي، لكنه لا يفسر ما جرى فوق أرضية الملعب. فالتحكيم قد يحرم فريقا من ركلة جزاء، أو من هدف صحيح، لكنه لا يستطيع أن يفسر وحده كيف يضيع فريق تقدما بهدفين في عشر دقائق. ذلك يحدث عندما يختل ميزان إدارة المباراة، وعندما يعجز الجهاز الفني عن قراءة التحولات، وعندما لا يحسن اللاعبون توزيع جهدهم والتعامل مع تفاصيل اللحظات الحاسمة.
ولهذا أيضا، فإن الحقيقة، مهما كانت قاسية، تبدو أوضح من كل روايات المؤامرة. المنتخب المصري لم يكن ضحية التحكيم وحده، بل كان، قبل كل شيء، ضحية سوء إدارة مباراة كانت بين يديه حتى الدقيقة الثمانين. وهذه هي الحقيقة التي قد تكون مؤلمة، لكنها وحدها القادرة على أن تتحول إلى درس للمستقبل، أما البحث عن شماعات خارجية فلن ينتج سوى خيبة جديدة عند أول اختبار كبير.
