لم يعد عدد سرعات ناقل الحركة مجرد رقم يضاف إلى المواصفات التقنية للسيارات، بل أصبح عنصراً مؤثراً في استهلاك الوقود وسلاسة القيادة وقدرة المحرك على الاستجابة في مختلف الظروف. وخلال السنوات الأخيرة، فرض ناقل الحركة الأوتوماتيكي ذو 8 سرعات نفسه في طرازات تختلف جذرياً من حيث السعر والقوة والاستخدام، من السيارات العائلية إلى المركبات الرياضية والفاخرة، في تحول يعكس بحث الشركات المصنعة عن معادلة تجمع الأداء والاقتصاد والراحة.
ووفق تقرير نشره موقع «SlashGear» المتخصص في أخبار التكنولوجيا والسيارات، فإن انتشار هذا النوع من نواقل الحركة يرتبط بقدرته على توفير نطاق أوسع من نسب التروس، بما يسمح للمحرك بالعمل ضمن مستويات دوران أكثر ملاءمة للظروف المختلفة. فعند القيادة على الطرق السريعة، يمكن للترس الثامن خفض عدد دورات المحرك وتقليل استهلاك الوقود والضجيج، بينما تساعد التروس الأقصر على توفير تسارع أسرع عند الانطلاق أو التجاوز، دون الحاجة إلى التضحية بسلاسة تبديل السرعات.
وتعود إحدى المحطات المهمة في تطوير هذه التقنية إلى سنة 2007، عندما قدمت تويوتا، بالتعاون مع شركة «آيسين» اليابانية، ناقل الحركة AA80E في سيارة «لكزس LS460»، ليصبح من أوائل نواقل الحركة الأوتوماتيكية ذات 8 سرعات المستخدمة في السيارات الإنتاجية. غير أن التحول الأبرز جاء مع ظهور عائلة نواقل «ZF 8HP» التي طورتها الشركة الألمانية «ZF»، وبدأ استخدامها في الجيل الخامس من سيارات «بي إم دبليو» الفئة السابعة أواخر العقد الأول من الألفية، قبل أن تتحول تدريجياً إلى أحد أكثر الحلول انتشاراً في صناعة السيارات.
ولم يكن نجاح الناقل الألماني مرتبطاً بعدد سرعاته فقط، وإنما بتصميمه الذي أتاح استيعاب ثماني نسب داخل علبة مدمجة نسبياً، مع المحافظة على الوزن والكفاءة. وتعتمد بنيته على أربع مجموعات من التروس الكوكبية وثلاثة قوابض ومكبحين داخليين، يجري التحكم فيها إلكترونياً لتبديل السرعات بسرعة ودقة. كما يستطيع النظام الانتقال بين تروس غير متتالية عند الحاجة إلى تسارع قوي، وهو ما يمنحه استجابة قريبة من بعض نواقل الحركة مزدوجة القابض، مع الاحتفاظ بالراحة التي توفرها النواقل الأوتوماتيكية التقليدية.
وساهمت مرونة التصميم في اعتماد ناقل «ZF 8HP» لدى شركات متعددة، من بينها «بي إم دبليو» و«أستون مارتن» و«جاكوار» و«لاند روفر» و«رولز رويس»، إلى جانب طرازات من «دودج» و«كرايسلر» و«ألفا روميو» و«تويوتا سوبرا». ورغم اختلاف طبيعة هذه السيارات، فإن الناقل يستطيع التكيف مع مستويات متفاوتة من عزم الدوران، إذ توفر الشركة إصدارات تتحمل عزماً يتراوح بين 220 و1000 نيوتن متر، ما يسمح باستخدامه في سيارات مخصصة للقيادة اليومية وأخرى ذات أداء رياضي مرتفع.
وتكمن إحدى نقاط قوة هذا النظام في إمكانية تغيير سلوكه من سيارة إلى أخرى دون الحاجة بالضرورة إلى إعادة تصميم مكوناته الأساسية. فالبرمجيات الإلكترونية التي تتحكم في توقيت تبديل التروس وسرعته تجعل الناقل أكثر هدوءاً في السيارات الفاخرة، وأكثر استجابة في الطرازات الرياضية. كما ساعد تصميمه القابل للتطوير على إدماجه في بعض منظومات الدفع الهجين، وهو ما عزز استمراره رغم التحولات التي تشهدها صناعة السيارات نحو الكهرباء وتقليل الانبعاثات.
لكن السمعة الجيدة لهذا الناقل لا تعني أنه خالٍ من المشكلات، إذ قد تظهر مع ارتفاع عدد الكيلومترات أو نتيجة ظروف الاستخدام القاسية أعطال مرتبطة بجسم الصمامات والملفات الكهربائية ونظام الميكاترونيك المسؤول عن التحكم في تغيير السرعات. كما يمكن أن تتعرض بعض القوابض الداخلية ومحول عزم الدوران للتآكل، وتظهر هذه المشكلات أحياناً في شكل اهتزازات أو تأخر في الاستجابة أو انتقال غير سلس بين التروس، مع اختلاف طبيعة الأعطال حسب إصدار الناقل والطراز الذي يستخدمه.
وتكتسب الصيانة أهمية خاصة في الحفاظ على أدائه، لا سيما أن بعض الشركات المصنعة للسيارات تقدم زيت ناقل الحركة باعتباره طويل العمر، بينما توصي شركة «ZF» بتغييره وفق شروط الاستخدام والمواصفات التقنية المعتمدة، وتشير إرشاداتها إلى إمكانية الحاجة إلى استبداله بعد نحو 150 ألف كيلومتر، أو قبل ذلك عند التعرض المتكرر لدرجات حرارة مرتفعة وأحمال كبيرة. كما تشدد على ضرورة استعمال الزيت المطابق للمواصفات واتباع إجراءات دقيقة لضبط مستواه، لأن أخطاء الصيانة قد تتسبب بدورها في أعطال مكلفة.
ويعكس انتشار نواقل الحركة ذات 8 سرعات توجهاً صناعياً نحو تحقيق أكبر استفادة ممكنة من المحركات، بدلاً من الاكتفاء بزيادة عدد التروس باعتبارها ميزة تسويقية. ومع ذلك، لا يعني وجود ثماني سرعات أن سيارة معينة ستكون بالضرورة أكثر اقتصاداً أو موثوقية من سيارة تستخدم ستاً أو سبع سرعات، إذ يبقى الأداء الفعلي مرتبطاً بجودة التصميم وبرمجة الناقل وتوافقه مع المحرك وطريقة القيادة. ولهذا فإن نجاح «ZF 8HP» لا يكمن في الرقم ثمانية وحده، بل في قدرته على الجمع بين خصائص كانت تبدو متعارضة، من راحة السيارات الفاخرة إلى سرعة استجابة السيارات الرياضية وكفاءة الاستخدام اليومي.
من رولز رويس إلى دودج.. لماذا تراهن شركات السيارات على ناقل الحركة ذي 8 سرعات؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.