لم تعد البيانات التي تنتجها الشركات خلال أنشطتها اليومية مجرد سجلات داخلية أو مراسلات مهنية تُحفظ في الحواسيب والخوادم، بل تحولت إلى مورد اقتصادي ثمين تتسابق شركات الذكاء الاصطناعي للحصول عليه، في سوق ناشئة تشهد عروضاً مالية ضخمة تصل إلى ملايين الدولارات، وسط مخاوف متزايدة بشأن خصوصية الموظفين وحقوقهم في المعلومات التي ينتجونها أثناء العمل.
وكشف تحقيق نشره موقع "بيزنس إنسايدر" الأمريكي، يوم 13 أكتوبر الجاري، أن أصحاب شركات باتوا يتلقون عروضاً مغرية لبيع بياناتهم التشغيلية، بعضها تصل قيمته إلى مئات الآلاف من الدولارات، مع منحهم مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لاتخاذ القرار. وتستهدف هذه العروض وثائق ومراسلات وسجلات تراكمت داخل المؤسسات على مدى سنوات، وكانت تُعتبر في السابق مجرد معلومات روتينية مرتبطة بسير العمل.
وتكمن أهمية هذه البيانات في أنها تكشف الطريقة الحقيقية التي تعمل بها الشركات، وكيف يتخذ الموظفون القرارات ويتعاملون مع المشكلات وينفذون المهام اليومية. وتسعى مختبرات الذكاء الاصطناعي إلى الاستفادة منها لتدريب أنظمة متقدمة قادرة على إنجاز أعمال كانت تتطلب تدخلاً بشرياً، خصوصاً في مجالات المحاسبة والقانون والبرمجة وخدمة الزبناء وإدارة المشاريع.
وبحسب التحقيق، لم يعد الطلب مقتصراً على بيانات الشركات المفلسة أو المتوقفة عن النشاط، بل امتد إلى مؤسسات قائمة تواصل عملياتها بشكل طبيعي، حيث يتولى وسطاء متخصصون البحث عن شركات تمتلك كميات كبيرة من المعلومات المهنية، والتفاوض معها للحصول على تراخيص لاستخدام هذه البيانات، قبل إعدادها وإتاحتها للجهات التي تطور نماذج الذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز الشركات النشطة في هذا المجال "Micro1"، التي أعلنت برنامجاً يتيح للشركات المتوسطة الحصول على مبالغ تتراوح بين 100 ألف ومليوني دولار مقابل إتاحة بيانات تشغيلية مؤهلة، بعد إخضاعها لإجراءات تهدف إلى إزالة المعلومات الشخصية الحساسة. وتشمل البيانات المطلوبة إجراءات العمل الداخلية، وقواعد المعرفة، وسجلات المشاريع، وبيانات إدارة علاقات العملاء، ووثائق مراقبة الجودة، إلى جانب المراسلات التي توضح كيفية اتخاذ القرارات داخل المؤسسات.
ولم تتوقف العروض عند أصحاب الشركات، إذ أعلنت "Micro1" تقديم مكافآت قد تصل إلى 50 ألف دولار للأشخاص الذين ينجحون في إحالتها على مؤسسات مناسبة لإبرام اتفاقيات مشاركة البيانات. كما كشفت الشركة، في التاسع من أكتوبر الجاري، عن التزام استثماري بقيمة مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة لاقتناء وترخيص بيانات تشغيلية، في خطوة تعكس حجم الرهانات المالية المرتبطة بهذا القطاع الناشئ.
وتؤكد تقديرات مؤسسة "غارتنر" للأبحاث اتساع السوق، إذ يُتوقع ارتفاع الإنفاق العالمي على البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي من نحو 826 مليون دولار سنة 2025 إلى ما يقارب 6.5 مليارات دولار بحلول سنة 2027، مدفوعاً بتزايد الطلب على معلومات واقعية تساعد النماذج الذكية على فهم طبيعة العمل البشري والتعامل مع مهام أكثر تعقيداً.
غير أن هذه التجارة الجديدة تثير إشكالات قانونية وأخلاقية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمراسلات الموظفين ومحادثاتهم المهنية ووثائق قد تحتوي على معلومات شخصية أو أسرار تجارية. فامتلاك الشركة للأنظمة التي تُخزن فيها البيانات لا يعني بالضرورة امتلاك حق التصرف المطلق في جميع المعلومات الموجودة داخلها، خاصة عندما تتعلق بأشخاص آخرين أو تخضع لالتزامات تعاقدية وقواعد لحماية الخصوصية.
وقد برزت هذه المخاوف داخل شركة "ميتا" نفسها، بعدما أثار مشروع داخلي لجمع بيانات استخدام الموظفين لحواسيبهم موجة احتجاجات، حيث وقع نحو 1600 عامل عريضة تعترض على أداة كانت تراقب ضغطات لوحة المفاتيح وحركة الفأرة ومحتويات الشاشة بهدف الاستفادة منها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. واضطرت الشركة، خلال يونيو الماضي، إلى تعليق المشروع وإجراء مراجعة داخلية، بعدما أثيرت تساؤلات بشأن مدى حماية البيانات التي جُمعت وإمكانية الاطلاع عليها داخل المؤسسة.
وامتد الجدل إلى شركة "غوغل"، بعدما أثارت خططها للحصول على بيانات تشغيلية من شركة الطيران الأمريكية المفلسة "سبيريت إيرلاينز"، مقابل عشرة ملايين دولار، اعتراضات من ممثلين عن العمال وأعضاء في الكونغرس الأمريكي. وتضمنت البيانات المستهدفة ملايين الرسائل الإلكترونية والمحادثات المهنية، فيما أكدت غوغل أنها لا تسعى إلى الحصول على معلومات شخصية، وأن البيانات الحساسة ستُستبعد أو تُزال منها العناصر التي تسمح بتحديد هوية أصحابها قبل نقلها.
وتحذر أستاذة القانون بجامعة إيموري الأمريكية، إيفيوما أجونوا، من أن هذا السوق قد يضع شركات التكنولوجيا في مواجهة مباشرة مع الموظفين والجهات التنظيمية، خصوصاً في ظل الغموض الذي يحيط بمسألة الموافقة على استخدام البيانات. فالموظف الذي يكتب رسالة أو يعد تقريراً لأداء مهامه المهنية لا يتوقع بالضرورة أن تتحول مساهمته لاحقاً إلى مادة تدريبية لنظام ذكاء اصطناعي تطوره شركة أخرى وتحقق منه أرباحاً.
وتزداد حساسية القضية مع تطور ما يُعرف بوكلاء الذكاء الاصطناعي، وهي أنظمة مصممة لتنفيذ مهام متعددة بصورة شبه مستقلة. وتحتاج هذه التقنيات إلى بيانات تتجاوز النصوص العامة المنشورة على الإنترنت، لتشمل أمثلة واقعية عن إدارة الأعمال وحل المشكلات والتعامل مع الحالات الاستثنائية، وهو ما يفسر الاهتمام المتزايد بالخبرة البشرية المخزنة داخل المؤسسات.
ورغم أن بعض الشركات تقدم إزالة المعلومات الشخصية باعتبارها ضمانة لحماية الخصوصية، فإن هذه الإجراءات لا تلغي جميع المخاطر بالضرورة، إذ قد تظل بعض البيانات قابلة للربط بأصحابها من خلال تفاصيل غير مباشرة، كما أن إعادة استخدامها تطرح تساؤلات بشأن حقوق الموظفين والزبناء وملكية المعارف المهنية التي تراكمت عبر سنوات من العمل.
شركات الذكاء الاصطناعي تعرض ملايين الدولارات لشراء بيانات الموظفين ومراسلات الشركات لتدريب نماذجها
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.