الصحراء المغربية.. زخم أمريكي غير مسبوق رغم أزمة إيران

الصحراء المغربية.. زخم أمريكي غير مسبوق رغم أزمة إيران

بقلم: محمد أعزوز

في سياق إقليمي مشحون بالتوترات، خاصة مع استمرار الضغوط الأمريكية على إيران في الشرق الأوسط، تُظهر إدارة الرئيس دونالد ترامب تصميماً لافتاً على تسريع حل قضية الصحراء المغربية. 

فقد شهدت واشنطن يومي 23 و24 فبراير 2026 الجولة الثالثة من المفاوضات السرية ضمن صيغة «الطاولة المستديرة»، بمشاركة المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو كأطراف معنية بشكل مباشر في النزاع. أدار هذه الجولة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا بالشراكة مع السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز، وبدعم مباشر من مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولوس.

هذه السلسلة السريعة – التي بدأت في يناير 2026 باجتماعين في واشنطن ومدريد – تكشف عن تغيير نوعي في الديناميكية الدبلوماسية، رغم الانشغال الأمريكي بالأزمة الإيرانية التي شهدت ضربات مكثفة على منشآت نووية وعسكرية في فبراير 2026، لم تتباطأ وتيرة الجهود في ملف الصحراء، بل تسارعت. 

يبرز هنا سؤال جوهري: هل تعيق الأزمات الشرق أوسطية تقدم القضية، أم تحولها إلى فرصة استراتيجية لتعزيز الاستقرار في شمال أفريقيا والساحل؟ الإجابة تكمن في الرؤية الأمريكية التي تربط بين الجبهات المختلفة، معتبرة استقرار المغرب – بما في ذلك سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية – خط دفاع أول عن المصالح الغربية.

يعتمد هذا الزخم بشكل أساسي على قرار مجلس الأمن 2797 لعام 2025، الذي أكد على مقترح الحكم الذاتي المغربي كـ«الأساس الأكثر واقعية وجدوى» للتفاوض. يدعو القرار الأطراف إلى حوار بنّاء دون شروط مسبقة، مع التركيز على حل سياسي متبادل التوافق في إطار السيادة المغربية. هذا الإطار القانوني الدولي يمنح المفاوضات شرعية قوية، ويجعل من الصعب على أي طرف تجاهل التقدم الحاصل، خاصة بعد أن قدم المغرب نسخة مفصلة جديدة من مقترحه (أكثر من 40 صفحة) توفر أرضية عملية للحوار.

يبدو أن إضعاف النفوذ الإيراني عسكرياً وسياسياً قد ساهم في تقليص أي دعم خارجي سابق مزعوم لجبهة البوليساريو، سواء عبر حزب الله أو شبكات أخرى. لكن هذا التراجع لا يخفي الحقيقة المرة: النظام العسكري الجزائري فتح أبواب بلاده على مصراعيها لأذرع «خنجر الغدر» الإيراني، مستضيفاً في مخيمات تندوف تدريبات وتسليحاً إيرانياً لعناصر البوليساريو، كما كشفت تقارير موثوقة مثل تلك المنشورة في واشنطن بوست عام 2025. هذه العلاقة الوثيقة بين الجيش الجزائري والنظام الإيراني ليست صدفة، بل استراتيجية مدروسة لزعزعة الاستقرار في شمال أفريقيا. فالجزائر، التي تحولت إلى قاعدة لوجستية للنفوذ الإيراني، تستخدم البوليساريو كأداة لتصدير أزماتها الداخلية، وتوظيفها في تهريب الأسلحة والمخدرات عبر الساحل، مما يهدد وحدة المغرب الترابية واستقراره الأمني. بهذه الطريقة، أصبحت الجزائر حليفاً استراتيجياً لطهران في مشروعها التوسعي، مقابل دعم يغذي النزاع المفتعل ويمنع أي حل سلمي يعزز سيادة الرباط.

تواجه الجزائر وضعاً أكثر تعقيداً. بعد سنوات من الرهان على محاور إقليمية، أرسلت الضربات على إيران إشارات قوية بتراجع نفوذ بعض الحلفاء التقليديين. مع الضغوط الاقتصادية الداخلية والتحديات الإقليمية، يتقلص هامش المناورة الجزائري تدريجياً. مشاركتها المباشرة في الجولات الأخيرة – لأول مرة منذ سنوات – تشير إلى تحول نحو حوار رباعي يشمل الجزائر وموريتانيا كأطراف أساسية، مما يزيد الضغط نحو حل واقعي بدلاً من التمسك بمواقف قديمة تعتمد على الوكلاء المسلحين.

الرسالة الأمريكية اليوم مزدوجة وواضحة: دعم ثابت وحازم للحلفاء الموثوقين مثل المغرب، مع التأكيد على استمرار المسار رغم الجبهات الأخرى؛ وضغط غير مباشر على الأطراف الممانعة بأن ميزان القوى يميل نحو الحلول البراغماتية. سرية المفاوضات في واشنطن تحمي العملية من الضغوط الإعلامية، وتستغل الظروف الإقليمية لدفع الأطراف نحو تنازلات ضرورية. قرار 2797 يشكل خريطة طريق واضحة، تركز على المقترح المغربي كأساس للنقاش، مع إمكانية التوصل إلى إطار سياسي نهائي خلال أشهر قليلة.

يستفيد المغرب استراتيجياً من هذا الدفع الأمريكي. الشراكة المتينة مع واشنطن تمتد إلى المجالات العسكرية والاقتصادية والطاقة المتجددة والأمن الإقليمي. اليوم، يدعم أكثر من 120 دولة المقترح المغربي كحل سياسي جدي وواقعي، كما أكدت مجموعة واسعة من الدول في مجلس حقوق الإنسان. الضغط على إيران يعزز هذا الاتجاه، إذ يضعف الدعم الخارجي للخصوم ويبرز أهمية الاستقرار في شمال أفريقيا كعامل أمني دولي حاسم، خاصة مع كشف المناورات الجزائرية-الإيرانية التي تهدف إلى تحويل المنطقة إلى ساحة للصراعات بالوكالة.

تتسارع الخطوات داخل أروقة الكونغرس الأمريكي لتعرية زيف الشعارات الانفصالية، حيث انضمت النائبة الجمهورية كلوديا تيني – عضو لجنة الاستخبارات وأول امرأة تدعم المبادرة منذ يونيو 2025 – رسمياً إلى قائمة الداعمين لمشروع قانون تصنيف «البوليساريو» منظمة إرهابية، ليرتفع العدد إلى 10 نواب بعد انضمام دون بيكون مؤخراً. هذه الدينامية المتسارعة تكشف الوعي التشريعي بأن الجبهة ليست سوى ذراع تخريبي يقتات على فوضى الساحل، وتنفضح بها المناورات الإقليمية التي توظف النزاعات المفتعلة لتصدير الأزمات الداخلية، محولة الدعم الأمريكي إلى إقرار بواقعية السيادة المغربية كصمام أمان وحيد للاستقرار الإقليمي. بينما تواصل الرباط تكريس مكانتها شريكاً استراتيجياً موثوقاً لواشنطن في تجفيف منابع الإرهاب، يواجه خصوم الوحدة الترابية حقائق الجغرافيا والسياسة التي لا تقبل التأويل، لتظل السيادة الكاملة للمملكة الجواب الحاسم لإنهاء هذا الورم الوهمي.

في الختام، خلافاً لما قد يتوقعه البعض، لم يُضعف الانشغال الأمريكي بالأزمة الإيرانية زخم قضية الصحراء، بل عزّزه بشكل ملحوظ. الجولات المتتالية في واشنطن ومدريد، مدعومة بقرار 2797 والقيادة الأمريكية المباشرة، تثبت أن الملف يحظى بأولوية استراتيجية مستقلة. المغرب، بفضل شراكته القوية مع الولايات المتحدة وثبات موقفه، يقترب من تحقيق تسوية تاريخية تعزز سيادته الكاملة على أقاليمه الجنوبية، وتفتح آفاقاً للتنمية والسلام في المنطقة. أما الخصوم، فيواجهون واقعاً جديداً يفرض عليهم إعادة تقييم مواقفهم بشكل جذري. هذه اللحظة تمثل فرصة ذهبية لإنهاء نزاع طال أمده، وتحويل شمال أفريقيا إلى فضاء مستقر ومزدهر يحميه الاستقرار المغربي من أي تدخلات خارجية تستهدف وحدته.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات
المقالات الأكثر مشاهدة