في خطوة تكرس النهج المألوف للنظام الجزائري في التعاطي مع الأزمات الكبرى، عاد الرئيس عبد المجيد تبون ليعزف على وتر "الأيادي الإجرامية" و"العمل التخريبي" لتفسير موجة الحرائق الدامية التي تجتاح ولايات الشمال والشرق، في محاولة مكشوفة لامتصاص الغضب الشعبي المتصاعد والتغطية على الفشل الهيكلي في حماية أرواح وممتلكات المواطنين.
وزعم تبون، خلال زيارة بروتوكولية لتفقد مصابي الحرائق بمستشفى الحروق الكبرى "زرالدة" رفقة رئيس أركان الجيش السعيد شنقريحة، أن التزامن والقوة المفاجئة لاندلاع النيران يجعلان فرضية "الفعل الإجرامي" غير مستبعدة، معلناً فتح تحقيقات أمنية ومعزياً في الوقت ذاته تعثر التدخلات وصعوبة السيطرة على ألسنة اللهب إلى سرعة الرياح والظروف المناخية القاسية.
ويأتي هذا الخطاب المكرور في وقت فضحت فيه الوقائع الميدانية مأساة إنسانية وبيئية غير مسبوقة، خلفت عشرات الضحايا ومئات العائلات المحاصرة في مداشر وقرى جيجل وبجاية والطارف وغيرها؛ حيث يجد نصف مليون مواطن أنفسهم في خط النار الأول دون أدنى تغطية إسعافية أو منظومات إنذار مبكر، في ظل غياب مراكز إطفاء متقدمة في أغلب المناطق الجبلية الوعرة.
وعرت الكارثة الحالية الفجوة الصادمة بين ادعاءات "القوة الإقليمية" والتباهي بإنفاق عسكري فلكي، وبين واقع ميداني مفلس يفتقر لأبسط وسائل الإنقاذ والأسطول الجوي الحديث؛ إذ فضل النظام ترك القرويين يواجهون النيران بوسائلهم الذاتية والبدائية والتعنت في طلب المساعدة الدولية لحفظ ماء الوجه السياسي، بدلاً من الاعتراف بالتقصير الفادح في التسيير الميداني والجاهزية.
إن الهروب الدائم نحو نظرية المؤامرة وتوجيه أصابع الاتهام لـ"عصابات أو جهات مجهولة" كل صيف، بات أسطوانة مستهلكة تسقط أمام الحقيقة الميدانية المؤلمة؛ فالأرواح التي تُزهق والغابات التي تتحول إلى رماد لا تحتاج إلى تبريرات سياسية وتحقيقات صورية، بل تسائل مباشرة مسؤولية دولة تعجز عن إطفاء ألسنة اللهب وتبرع فقط في إشعال حروب الخطابات الدعائية.
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.