في مفارقة يصعب تجاهلها، وجد بلد بحجم وثروات الجزائر نفسه في ذيل تصنيف دولي لجودة الحياة لعام 2026، بعدما احتل المرتبة 77 عالمياً من أصل 85 دولة شملها مؤشر "Best Countries Index" الصادر عن كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، بحصوله على 8 نقاط فقط. وبينما تملك الجزائر احتياطات مهمة من النفط والغاز، ومساحة جغرافية هائلة، وموقعاً استراتيجياً وإمكانات كبيرة في الفلاحة والسياحة والطاقة والمعادن، فإن ترتيبها المتأخر يعيد إلى الواجهة سؤالاً بسيطاً في صياغته، عميقاً في دلالاته: كيف لبلد بهذه المقدرات أن يعجز عن ترجمة جزء أكبر منها إلى جودة حياة يشعر بها المواطن؟
فالجزائر ليست دولة فقيرة بالموارد، بل على العكس تماماً، إذ تعد من أبرز منتجي الغاز في إفريقيا، فيما ظلت المحروقات لعقود المصدر الرئيسي للعملة الصعبة وعصباً أساسياً لإيرادات الدولة. غير أن هذه الوفرة لم تنجح، وفق مؤشرات اقتصادية وتنموية مختلفة، في إنهاء التبعية الكبيرة للاقتصاد النفطي، أو بناء اقتصاد متنوع قادر على خلق ما يكفي من فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية وتطوير الخدمات العمومية. وهنا تتجسد المفارقة بوضوح: ثروة وطنية ضخمة من جهة، وشعور متكرر لدى فئات واسعة المواطنين بأن عائداتها لا تنعكس بما يكفي على تفاصيل حياتهم اليومية من جهة أخرى.
ولعل أكثر ما يجعل هذه المفارقة إثارة للجدل هو استمرار صور الطوابير والندرة المستمرة لعدد مهم من المواد، إلى جانب شكاوى مرتبطة بالسكن وفرص العمل والقدرة الشرائية والخدمات، وهي مظاهر لا تنسجم، في نظر كثير من المنتقدين، مع الإمكانات التي يفترض أن توفرها عائدات بلد نفطي وغازي بهذا الحجم. ومن هنا، يتحول النقاش من سؤال "كم تملك الجزائر؟" إلى سؤال أكثر إحراجاً: كيف تُدار هذه الثروة، وأين يذهب أثرها الاجتماعي؟ فالمشكلة لا تكمن بالضرورة في ندرة الموارد، وإنما في قدرة الدولة على تحويلها إلى إنتاج واستثمار وتنمية وفرص متكافئة، بدل استمرار الاقتصاد رهيناً بتقلبات سوق الطاقة.
وفي هذا السياق، تستعيد الانتقادات الموجهة إلى طبيعة النظام السياسي والاقتصادي الجزائري حضورها، خصوصاً من جانب معارضين وفعاليات سياسية ومدنية تحمل دوائر الحكم مسؤولية الاختلالات التي تراكمت على مدى عقود. كما تطرح هيمنة المؤسسة العسكرية على المشهد السياسي، وفق قراءات منتقدي النظام، أسئلة حول طبيعة صناعة القرار وحدود الإصلاح الاقتصادي والسياسي، ومدى قدرة المؤسسات على بناء نموذج تنموي يضع تحسين حياة المواطن في صدارة الأولويات.
وفي النهاية، قد لا تكون المفارقة الجزائرية في كون البلاد تفتقر إلى الثروة، بل في أنها تملك الكثير مما كان يفترض أن يجعل حياة مواطنيها أفضل بكثير. فالنفط والغاز والمساحة والموقع والثروات الطبيعية لا تصنع وحدها مجتمعاً مزدهراً، الذي يصنع الفارق هو كيفية إدارة هذه الموارد، وحجم ما يتحول منها إلى تعليم وصحة وسكن وفرص عمل وقدرة شرائية وكرامة اجتماعية. ولذلك، فإن المرتبة 77 في مؤشر جودة الحياة، رغم أنه لا يشمل سوى 85 دولة ولا يمثل حكماً مطلقاً على واقع الجزائريين، تبقى رقماً محرجاً لبلد بهذه المقدرات، وتطرح على صناع القرار سؤالاً أكثر إلحاحاً من كل الأرقام: إذا كانت الجزائر غنية بكل هذه الثروات، فلماذا لا يشعر المواطن بغنى بلاده في حياته اليومية؟
أضف تعليقك
شارك رأيك بوضوح واحترام. تُراجع التعليقات قبل ظهورها للقراء.