سرقات شيطانية
يوسف الحزيمري
بين المصحف والسبحة يقف إلى جنبك مترقبا بلهف، ناصبا مكائده المتعددة، يرضى بالحقير المحقر من الصغائر، يجمع بعضها على بعض فتصير عنده كبائر، بين جيئة وذهاب يطل على مصائده، لا يمل ولا يفتر، يجمع صيده من غفلاتك ونزواتك وشهواتك بفرح وسرور ، كيف لا يفرح وهو قد أقسم بعزة ذي الجلال ليغوي الجميع.
أتدري أن التفاتتك في الصلاة سرقة من سرقاته، ورياضة من رياضاته، فـ: (إن العبد إذا التفت في الصلاة فإنما يلوي عنقه شيطان)[1].
أو تدري أيضا أن تركك الخلل في صف الصلاة، ملعب من ملاعبه يعدو فيها، فكان الأمر النبوي أن (سدوا الخلل ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان، ومن وصل صفا وصله الله، ومن قطع صفا قطعه الله)[2].
أو ما تدري أن إسرافك في إهراق الماء في الوضوء هو من فتنة شيطان يقال له الولهان، يضحك بالناس في الوضوء، وكان طاووس يقول: (هو أشد الشياطين)[3].
كثيرة هي مواقع ترصده وتعقبه، في أحقر الأشياء وجليلها، فهو عدو يعمل بالليل والنهار، عمل العدو لعدوه، إن فاته منك هنة، فقد أصاب منك هنات، فلله در الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله وهو يستعرض لنا مصايده، ويضع لنا كتابا نتعرف به مكائده، فأغاث بذلك لهفتنا، فقراءة هذا الكتاب "إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان" هو بمثابة تجنيد في معرفة العدو وألاعيبه وأساليبه وأسلحته وكيفية التعامل معه، لأنك معه في حرب، والتجنيد من متطلباتها.
فأصغ سمعك لابن قيم الجوزية رحمه الله في فقرة تلخص الحال مع الشيطان حين يقول: "...ولما علم عدو الله إبليس أن المدار على القلب والاعتماد عليه، أجلب عليه بالوساوس، وأقبل بوجوه الشهوات إليه، وزين له من الأقوال والأعمال ما يصده عن الطريق، وأمده من أسباب الغي بما يقطعه عن أسباب التوفيق، ونصب له من المصايد والحبائل ما إن سلم من الوقوع فيها لم يسلم من أن يحصل له بها التعويق، فلا نجاة من مصائده ومكائده إلا بدوام الاستعانة بالله تعالى، والتعريض لأسباب مرضاته، والتجاء القلب إليه، وإقباله عليه فى حركاته وسكناته، والتحقق بذل العبودية الذى هو أولى ما تلبس به الإنسان، ليحصل له الدخول فى ضمان {إِنّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر: 42] فهذه الإضافة هى القاطعة بين العبد وبين الشياطين، وحصولها يسبب تحقيق مقام العبودية لرب العالمين، وإشعار القلب إخلاص العمل ودوام اليقين، فإذا أشرب القلب العبودية والإخلاص صار عند الله من المقربين، وشمله استثناء {إِلاّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40]" [4].
فها قد عرفت موارده وصوادره، فحصن حدود قلبك بكاميرات المراقبة، وقف عند الأوامر لا تتعداها، وعند النواهي لا تتخطاها، فإن في مخالفة الأمر والنهي هلاك ما بعده هلاك، ألا وهو أن تصير من أوليائه وخدامه وسدنة معبده فبيس ما استبدلت {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف: 50].
هوامش:
[1] مصنف عبد الرزاق (2/ 258).
[2] سنن أبي داود (1/ 235).
[3] آكام المرجان في أحكام الجان (ص: 223).
[4] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (1/ 6).
