المغرب والجزائر أحلام وألام
أخريبيش رشيد
لم يكن البعض من المتتبعين لمسار العلاقات المغربية الجزائرية، يعتقد أنها ستعرف انفراجا في الآونة الأخيرة، بعد التوتر الذي كان سيد الموقف منذ فجر الاستقلال، فالعلاقات المغربية الجزائرية بدأت تفتح آمال الكثيرين، الذين يحلمون بواقع جديد تسوده المحبة والإخاء ،ما بين البلدين الشقيقين ،وليس الواقع الذي يقتل أحلامهم ويجعلها مستحيلة التحقيق من هنا يمكن القول إنه بعد الزيارات التي قام بها المغاربة إلى الجزائر بعد الربيع الديمقراطي ،هناك بوادر حسن نية تلوح في الأفق وتجعل شعب الطرفين يحلمان بالواقع الذي لطالما نادوا به.لكن السؤال الذي يطرح هو هل ستنجح الحكومة الجديدة في المغرب بزعامة بنكيران، لتجاوز الخلافات ومسألة الجمود التي عمرت طويلا بين المغرب والجزائر؟
ما نراه الآن من زيارات بعد الربيع الديمقراطي ،الذي جاء بحكومة الإسلاميين في المغرب ،يمكن اعتباره بوادر حسن نية من هذه الحكومة التي استطاعت على الأقل أن تحرك الملفات العالقة بين المغرب والجزائر،فوزير الخارجية المغربي في الحكومة الجديدة عبر عن النية الصادقة للمغرب لإعادة العلاقات إلى سابق عهدها ،خاصة بين بلدين تجمعهما اللغة والدين والتقاليد،وتجمعهما الأخوة والتعاون والتآزر منذ القدم.فالشعب الجزائري البطل لم ينسى جميل مل قدمه له الشعب المغربي ،في حربه من أجل التحرير وطرد الغزاة ،ولم ينسى معركة ايسلي العسكرية، التي واجهت فيها المقاومة المغربية جيش الاحتلال الفرنسي ، تضامنا مع الجزائر الشقيقة ، مع مجاهدها البطل عبد القادر الجزائري ، ولم ينسوا ما قدم لهم المغاربة من الغالي والنفيس من أجل طرد المحتل ،والحصول على استقلالهم. فالذي يجعل العلاقات بين البلدين تتأزم هو التعنت والمواقف المتحجرة من طرف الجزائر التي تحكمها عصابات العسكر،التي أنكرت الجميل ،وجعلت من المغرب العدو الأول توجه له سهام الحرب من حين لآخر،في الوقت الذي من الممكن أن تكون الجزائر بمنأى عن كل تلك الخلافات التي أدخلت البلدين في خلافات لا يعرف أحد نهايتها.
فقضية الصحراء المغربية ،التي تربطها الجزائر دائما بكل المشاكل والقضايا العالقة ،هي السبب في فشل كل المحاولات التي تأتي من المغرب ،من أجل رأب الصدع المغاربي ،وإعادة العلاقات المغربية الجزائرية إلى عهد ما قبل الاستقلال، التي كان في ظلها الشعب المغربي والجزائري كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر. بعد الزيارة التي قام بها وزير الخارجية المغربي إلى الجزائر ما هي إلا خطوة أولى من خطوات المصالحة ،التي ما فتئ المغرب إلا و يعبر عنها في كل المناسبات لإعادة التوازن وخلق حوار هادف بين حكومة البلدين،أما مسألة المشاكل العالقة من فتح الحدود ،وخلق تعاون سياسي و اقتصادي بين البلدين ،لن يتحقق إلا إذا كانت هناك نية صادقة وحقيقية عند أصحاب القرار في الجزائر ،ويتخلوا عن دعمهم للانفصاليين ، آنذاك يمكن لتلك الآمال التي بقيت معلقة لسنين عديدة أن تتحقق .
فالمسألة ليست شعارات ترفع ولا تصريحات تعلن ،وإنما هي أفعال يراد من خلالها طمأنة الشعبين من أجل رؤية مستقبلية، تتفادى كل تلك الضغائن والأحقاد وتبدأ صفحة جديدة في عالم تتضامن فيه الدول وتتحد ،باستثناء العالم الإسلامي ،الذي بقي لوحده ممزقا وجعل من مسألة الإتحاد أمرا مستحيلا .فالجزائر منذ أن تأسست ما يسمى بالجمهورية الصحراوية، وهي تعبر على أنها ليست طرفا في النزاع القائم بين المغرب (وجبهة البوليزاريو) وفي المقابل،ترفض أن تناقش المشاكل الأخرى التي تهم مستقبل الشعبين.
من الصعب جدا أن نتنبأ بتوصل المغرب والجزائر إلى حل جذري ونهائي،للقضايا العالقة دون أن يجد البلدان حلا نهائيا لقضية الصحراء،وأن تتخلى الجزائر عن التعنت الذي لم يجلب للبلدين سوى تجرع الويلات ،ويلات لم تكن لتقع لولا التعنت من أولئك الساسة الذين يتاجرون في مصير شعوبهم،ويجعلون مصالحهم فوق كل اعتبار،فكم من مبادرة تقدم بها المغرب ولاقت رفضا من الجزائر،التي أبانت عن عدم استعدادها للحوار وعدم مناقشة الملفات العالقة ،دون قضية الصحراء،التي تجعلها الحكومة الجزائرية من الأولويات بالرغم من إخفائها ذلك ما دام هناك غياب للصراحة بين البلدين و غياب نية صادقة في التوصل إلى حل نهائي في كل القضايا العالقة التي فرقت بين شعبين، وجعتلهما يعيشان في عزلة عن بعضهما البعض،من هنا يمكن لنا أن نتساءل ألم يحن الوقت للبلدين أن يعيدا رسم الخريطة من جديد ويعيدا بناء هذا الحلم الإسلامي المغاربي الذي لطالما راود الكثيرين من هذين البلدين ؟
