صورة الإصلاح في التلفزيون

صورة الإصلاح في التلفزيون


علي أنوزلا

وأخيرا كشف مصطفى الخلفي، وزير الاتصال والناطق الرسمي بإسم الحكومة، عن مخططه "الثوري" لتطوير الإعلام الرسمي. ويقوم هذا المخطط على مقاربيتين. مقاربة التشخيص، وبالنسبة للوزير فالمقاربة هنا تنبني على ما هو بنيوي يتجسد في "غياب الحكامة"، كعنوان كبير لسوء التدبير وسوء التسيير وتبدير المال العام وعدم شفافية صفقات شركات الانتاج... وعلى ما هو تقني يتمثل في تخلف وسائل الإنتاج عن التطور التقني المضطرد الذي يعرفه عالم البث التلفزي والإذاعي. ومقاربة المردودية أو الإنتاجية والتي يتضح من الأرقام التي كشف عنها الوزير بأنها دون مستوى الطموحات والوسائل والإمكانات المستثمرة في القطاع، ما دام أن 60 في المائة من المشاهدين المغاربة لا يتابعون ما تبثه القنوات الرسمية المغربية!

وكما هو واضح فالتشخيص يتجاوز المقاربة الأساسية في التعاطي مع موضوع حساس مثل الإعلام الرسمي، ويتعلق الأمر هنا بتغييب المقاربة السياسية الضرورية في كل إصلاح حقيقي.

وبناء على تشخيص الخلفي، ماذا يقترح كحل "ثوري" لإصلاح الإعلام الرسمي؟ بالنسبة للخلفي فالمعادلة رياضية بالدرجة الأولى وليست سياسية. وبالتالي فالإصلاح بالنسبة إليه يكمن في فرض حكامة جيدة من خلال طرح دفاتر تحملات جديدة بشروط أكثر شفافية. والمرحلة الثانية في باب الإصلاح هي ذات طبيعة تقنية تقوم على ضخ استثمارات جديدة لمواكبة تطور البث الرقمي وخلق قنوات جديدة للبحث عن فضاءات جديدة للانتشار.

أي أن الحل الذي يطرحه الخلفي هو ذا طبيعة مالية وتقنية، وكأن مشكل الإعلام الرسمي في المغرب هو مشكل مالي وتقني بالدرجة الأولى! لكن العقل "الرياضي" للخلفي، المولع بالرياضيات، ينسى أن منطق المعادلات الرياضية التي تخضع لقواعد لا تخطئ لا يمكن تطبيقه لحل معدلات سياسية بلا قواعد ثابتة.

فمعادلة الإعلام الرسمي هي بطبيعتها معادلة سياسية، ومقاربتها يجب أن تكون سياسية بالدرجة الأولى، وحلها يجب أن كون سياسيا أولا قبل الحديث عن الحلول مالية والتقنية. ولا يمكن التعاطي مع مثل هذا "المعادلة السياسية" إذا لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية لفعل ذلك. فمثل الخلفي، كان العربي المساري، وزير الاتصال في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي، متحمسا لإصلاح الإعلام الرسمي، وحمل مشروعه إلى الوزير الأول آنذاك ليقره قبل الشروع في تنفيذه، وعندما حمل اليوسفي مشروع وزيره في الاتصال إلى الملك الراحل الحسن الثاني، قال له هذا الأخير: "لا تنس أن التلفزيون هو جزء من دار المخزن". وفي أول تعديل حكومي لحكومة اليوسفي تم إبعاد المساري.

كان على الخلفي، حتى يثبت وجود الإرادة السياسية التي لايمل من الحديث عنها في حواراته وتصريحاته لوسائل الإعلام أن يقوم باختبار بسيط، ويحاول تجريب إدخال تغيير بسيط على نشرة الأخبار الرسمية في القناة الرسمية الأولى، لاختبار مدى وجود الإرادة الواثق من وجودها. فهل يستطيع الخلفي، مثلا، أن يقلص من مدة بث النشاط الملكي داخل النشرات الإخبارية؟ أي الانطلاق من اختبار ما هو بسيط ورمزي وغير مكلف ماليا، وبعيدا عن طرح تغيير الأشخاص بما أن هذه المهمة لم تعد من اختصاص الخلفي، مادام قد تم الحسم فيها عندما أدرجت الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة ووكالة المغرب العربي للأنباء ضمن المؤسسات "الإستراتيجية" التي يعين رؤساؤها داخل المجلس الوزاري، أي بموافقة ومباركة من الملك!

لقد كان ومازال مجال الإعلام الرسمي، وخاصة التلفزيون الرسمي، أكثر المجالات حكرا على القصر، وبالتالي فهو أكثر المجالات رمزية يمكن لحزب "العدالة والتنمية" أن يعطي من خلال إصلاحه إشارات على صواب نهجه القائم على "الإصلاح من الداخل". وحتى الآن، وبعد مرور مائة يوم على تنصيب حكومة بنكيران، فمن يتابع نشرات الأخبار على القنوات الرسمية، وتغطيات القصاصات التي تبثها وكالة المغرب العربي للأنباء، يكتشف بأن لاشيء تغير. فالأنشطة الملكية، ما زالت تفرد لها نشرات الأخبار الرئيسية حتى تبقى صورة الملك حاضرة في جميع اللقطات التي تتكرر في كل نشرة اخبارية كتكريس لتبعية هذا الإعلام إلى سلطة تحكمية تريد أن تؤكد ثقل حضورها القوي والدائم في كل زمان ومكان. وحضور الهاجس الأمني في مقاربات تغطيات قصاصات الوكالة الرسمية يدحض كل إدعاء بأن عهد إصلاح الإعلام الرسمي قد بدأ. ومن تابع آخر مؤتمر لحزب السلطة "الأصالة والمعاصرة"، سيكتشف أن وكالة الأنباء الرسمية أفردت لتغطية مؤتمر هذا الحزب أكثر من 20 قصاصة خبرية، وخصت أمينه العام بحوار طويل نشر على جزأين وتم بثه مرتين، وهو ما لم يتكرر مع مؤتمرات أحزب مثل "الاشتراكي الموحد" و"الطليعة"!

قرار إصلاح الإعلام الرسمي هو قرار سياسي بالدرجة الأولى، وهو قرار غير مكلف ماديا، ولايحتاج إلى أي وقت لتحقيقه. يكفي فقط أن تكون للوزير إرادة سياسية، كما لا يكف عن إدعاء ذلك، ويعلن بأن الإعلام الرسمي أصبح إعلاما عموميا، صاحب خدمة عمومية يقدمها لرأي عام هو الذي يموله وهو المستهدف بخدمته. فهل ينجح الخلفي في هذه المهمة؟

عندما تولى الخلفي رآسة جريدة دعوية اسمها "التجديد" كان يقول للمقربين منه بأن لديه خطة لتطوير الجريدة على ثلاث مراحل. مرحلة إعادة الهيكلة الداخلية. ومرحلة استعادة المصداقية. ومرحلة الانتشار. والمرحلة الأخيرة هي التي ستتوج عمل المرحلتين السابقتين. وللتذكير فقط فعندما تولى الخلفي إدارة "التجديد" عام 2007 كان عدد مبيعاتها لايتجاوز 3 آلاف نسخة يوميا، وفي آخر احصائيات نشرها مكتب التحقق من انتشار الجرائد في المغرب بلغت مبيعات الجريدة 3012 نسخة يوميا. أي بزيادة 12 نسخة خلال خمس سنوات!

لا تكفي النيات الحسنة للإصلاح إذ لا بد من توفر الإرادة السياسية الحقيقية لفعل ذلك، وإلا فإن الطريق إلى جهنّم، كما يقال، غالبا ما يكون مفروش بالنوايا الحسنة...

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة