من عصر «البنيوية» إلى عصر المغارات...
مصطفى المسناوي
في خضم نقاشات أثيرت مؤخرا في بلادنا بمناسبة حلول الذكرى الأولى لتوقيع معاهدة الحماية بين فرنسا والمغرب، انبرى بعضهم للدفاع عن ملامح إيجابية لهذه الفترة من تاريخ المغرب الحديث، وعلى رأسها ملمح المعمار الذي تركت الدولة الحامية (أو المحتلة) آثاره، بعد انسحابها، شاخصة أمامنا إلى الآن.
إلا أن هذا الرأي يجانب الصواب للأسف، ولعدة أسباب: فالبنايات الضخمة التي تركتها فرنسا قائمة هنا وهناك لم تبنها لأجل سواد عيوننا، ولكن لأنها كانت تنوي البقاء هنا بين ظهرانينا (كما يقال باللغة العربية الفصحى القديمة) إلى الأبد. ولعل البناية الوحيدة التي شيدتها فوق ترابنا في انسجام تام مع مدة الحماية (44 عاما بالتمام والكمال) هي بناية «فندق لينكولن» التي كان يفترض فيها أن تنهار مباشرة بعد حصول المغرب على استقلاله السياسي، لكنها أشفقت علينا وتضامنت معنا وواصلت صمودها بضع سنوات أخرى مستضيفة إخواننا الأفارقة الذين كانوا يلجؤون إليها بالمئات (مستجيرين باسم «لينكولن»، محرر العبيد في أمريكا) قبل أن تقول «هذا جهدي عليكم» وتشرع في التفتت بالتدريج (الوحيد الذي لم يصدّق بعد أنها انهارت هو مجلس مدينة الدار البيضاء، أو لعله ينتظر تحقق معجزة إعادة بناء الفندق لنفسه من جديد).
كما أن البنايات المتخلفة عن فترة الحماية عندنا تتميز بضخامة غير مفهومة، مع حرص مهندسيها، ولسبب غير مفهوم، على ترك مساحات واسعة ممتدة بين بعضها البعض (تجرؤوا على ملئها بالحدائق والمنتزهات والطرق العريضة الواسعة وبعض قاعات السينما والمسرح والمنشآت الرياضية في استهتار تام بالفضاء)؛ وهذا كله ضد العقل السليم الذي يقول إن المعماري (أو المنعش العقاري) الحقيقي هو ذاك الذي يملأ كل المساحات الفارغة بالحيطان ولا يترك فيها متنفسا يأتي منه الخوف والخطر للسكان ولعموم المارة؛ بسبب أن الحكمة في سكنى الإنسان هي أن يجد مكانا يسكن إليه (من السكينة، طبعا) ويجد فيه ما يطلبه من «تيقار»، أي مكانا مغلقا يدخل إليه بإرادته (لا رغما عنه) ويغلق عليه بابه (هو بنفسه لا غيره) فيجد الراحة والسعادة والفرح والسؤدد البهيج في الليل البهيم، بما يبعث الطمأنينة في نفسه ويقيه من غوائل الزمان الغادر المتربصة به في كل مكان (وخاصة في الحدائق والشوارع الفسيحة والفضاءات الفارغة غير المبنية).
وبما أن الإنسان لا يعيش إلى الأبد، فإن العمر الافتراضي لفضاءات السكن الفعلية (وبخلاف الفلسفة التي تحكمت في تشييد البنايات الموروثة عن عهد الحماية) لا ينبغي أن يتجاوز قدرا معينا من السنوات (يتراوح بين عشر وعشرين)، تنهار بعده، بما يمكّن «المنعشين العقاريين» من العمل، ويؤمن الشغل لعشرات (وربما مئات) الآلاف من الأيدي العاملة في هذه الدنيا الفانية؛ مثلما يمكّن من التحديث المتواصل لتلك الفضاءات ويجعلنا في قلب التحولات الدولية والكوكبية المعاصرة، لا على هامشها ولا خلفها.
ولعل من المفرح والمنعش هنا (للقلب وللعقار معا) أن نرى كيف تخلص المقاولون الحاليون من الإرث الاستعماري، وصاروا يشيدون بنايات فريدة من نوعها، كانت تنهار في السابق بعد بضع سنوات على بنائها، لكنها صارت الآن -بحمد الله الذي لا يحمد على مكروه سواه- تنهار وهي قيد البناء، بما يكشف عن عبقرية لا مثيل لها في التاريخ، يمكننا أن نغرق في التفاؤل معها ونحلم بيوم قريب يتمكن فيه هؤلاء العباقرة من تشييد بنايات تنهار قبل الشروع في بنائها أصلا؛ فنكشف للعالم أجمع على مدخل جديد من مداخل حضارة المستقبل التي ستنقلنا، بسرعة الضوء، من عصر البنيوية إلى عصر اللابنيوية وتعود بنا القهقرى إلى أصل بعيد في تاريخ البشرية هو لحظة إنسان الكهوف والمغارات التي تمثـّل عيبُها الكبير في أنها لم تكن تنهار، فحرمت البشرية (أي المغارات والكهوف)، بذلك، من الحضارة والتطور والازدهار.
