إصلاح العدالة ما بين الأقوال والأفعال
علي أنوزلا
حتى قبل أن تبدأ الهيئة الملكية التي نصبها الملك محمد السادس لإصلاح العدالة صدرت التصريحات ودبجت المقالات التي تنوه بإنشائها وبتشكيلها وبالخطاب الملكي المؤطر لعملها، بل وحتى بعملها الذي لم يبدأ بعد!
لقد أصبحت هذه خاصية مغربية بامتياز، ما إن تطلق السلطة مبادرة حتى يسارع الجميع إلى مباركتها ومبايعتها حتى قبل أن تتبلور ملامحها على أرض الواقع.
طبعا، المبادرة في حد ذاتها خطوة إيجابية، لأن إصلاح العدالة هو المدخل الأساسي لكل إصلاح حقيقي. فالعدل، كما يقال، هو اساس الملك. ومقياس تقدم الأمم ومعيار الديمقراطية الحديثة هو وجود دولة حق وقانون، وليس وجود برلمانات وإجراء انتخابات...فالبرلمانات كانت موجودة في ظل أنظمة مستبدة أسقطتها شعوبها مثل تونس ومصر واليمن. والانتخابات كانت ومازالت تجري في ظل أنظمة دموية مثل سوريا، وفي انظمة يحكمها العسكر مثل الجزائر، وأخرى تحكمها الأسر والعشائر والطوائف مثل إمارات الخليج والأردن والعراق ولبنان وفي أنظمة ثيوقراطية مثل المغرب...
المغرب مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بإصلاح عدالته، وهذا الإصلاح يجب ان يكون مطلب السلطة قبل أن يكون مطلب المواطن ضحية هذه العدالة، لأن كلفة غياب العدالة في أية دولة في عالم اليوم أصبحت جد مكلفة، فهي تعني مناخا غير سليم للاستثمار، وبلدا عير غير جاذب للسياح، وانعدام للاستقرار والأمن الداخلي الذي لايمكن أن يستتب بدون وجود عدالة قوية تزيد من ثقة اهل البلد في مؤسسات دولتهم.
لقد نجحت السلطة في أن تقنع أشخاصا معروفين بإيمانهم بضرورة إصلاح العدالة ومشهود لهم بنضالهم الميداني من أجل إرساء عدالة حقيقية، للانضمام إلى لجنة إصلاح القضاء، لكن لايجب أن يخفي وجود هذه الأسماء التي تعد على رؤوس الأصابع، حقيقة كون أغلبية أعضائها هم من كبار موظفي الدولة ممن تعايشوا طيلة سنوات كل من موقعه النافذ والمؤثر مع غياب العدالة التي تمت المناداة اليوم عليهم لإصلاحها. فلم يسبق أن سجل لأي من هؤلاء الموظفين، وأغلبهم معينون بظهائر ملكية، أي موقف شجاع في إحقاق الحق والدود عنه، بل إن اغلبهم كانوا يزكون الظلم بكل أشكاله ويجارونه. ومن بين هؤلاء من يعتبرون، بحكم مسؤولياتهم الوظيفية سواء الحالية أو السابقة مسؤولون عن فساد العدالة في المغرب. ففي عهد عبدو نبوي، مدير الشؤون الجنائية بوزارة العدل، وأحد أعضاء اللجنة الحالية، حصلت تجاوزات كثيرة سواء أثناء الاعتقال أو الاختطاف وفي كل مراحل التحقيق. وفي عهده أيضا عندما كان على رأس إدارة السجون حرم الكثير من المعتقلين من أبسط حقوقهم الانسانية، وهي الحقوق التي مازالت تنتهك في عهد خلفه حفيظ بنهاشم، لذلك كان من مفارقات هذه اللجنة أن تضم بين أعضائها نائب بنهاشم داخل إدارة السجون ودراعه اليمنى مصطفى حلمي، في وقت مازالت ترتكب فيه فضائع داخل هذه السجون!
وهذا غيض من فيض الأسماء التي تسبقها "سمعتها" وقد ضمتها لجنة إصلاح العدالة مثل محمد الناصري، وزير العدل السابق الذي جرت في عهده محاكمات غير عادلة ضد حرية الرأي والتعبير وضد مواطنين لم يتمتعوا بحقوق الدفاع كاملة بدعوى انهم يتابعون تحت مايسمى بـ "قانون الإرهاب". والكل يتذكر كيف انه في عهد وزير الداخلية السابق، شكيب بنموسى، وهو أيضا عضو بنفس اللجنة، خرج الوزير إلى الملأ أثناء اعتقال ما سمي بعد ذلك بـ "خلية بلعيرج"، وأدان المعتقلين وهم مازالوا مختفين في الأقبية السرية لدى أجهزة المخابرات حيث تمت ممارسة أبشع أنواع التعذيب على بعضهم (انظر فيديو يحمل شهادة اشقاء أحد هؤلاء المعتقلين)، وهدد كل من يشكك في رواية السلطة آنذاك بالمتابعة... وبعد مرور خمس سنوات سيصدر عفو ملكي عمن اعتبروا "رؤوس" تلك الخلية و"مدبرو خططها الإرهابية"، بينما مازال يقبع داخل السجون "أتباعهم" من "المنفذين" المفترضين محرومين من أبسط الحقوق كمعتقلين!
لقد علمت التجربة اغلب المتابعين للشأن المغربي التريث في إصدار الأحكام على الأقوال والخطابات قبل أن يروا الأفعال ويختبروا نفاذ القرارات. ألم يعترف الملك نفسه في إحدى حواراته الصحفية النادرة عام 2004 مع جريدة "الباييس" الإسبانية، بارتكاب تجاوزات في حق المعتقلين والمحاكمين على خلفية أحداث 16 ماي بالدار البيضاء؟ ومع ذلك لم يحاسب أو يسائل أي من مرتكبي تلك التجاوزات، بل إن بعض المسؤولين عن تلك المتابعات والمحاكمات تمت ترقيتهم واغلبهم مازالوا يمارسون كل من موقعه، فيما ان أغلب الضحايا الذين ارتكبت في حقهم التجاوزات التي تحدث عنها الملك مازالوا يقبعون وراء القضبان يعانون الأمرين إلى يوم الناس هذا!
إن ما يخشاه جزء من الراي العام ممن يؤمنون بأهمية إصلاح العدالة في بناء المجتمع والدولة الديمقراطيتين، هو أن تكون اللجنة الحالية مثل سابقاتها من اللجان والهيئات والمجالس التي انعش إنشاؤها الطموحات وزاد من الانتظارات، ودبجت حولها الخطابات وعقدت حولها الندوات، واطلقت العنان للتصريحات المتفائلة والمجاملة والمزايدة...وفي النهاية باتت نسيا منسيا أو في احسن الحالات هياكل بيروقراطية، مثل هيئة الإنصاف والمصالحة، ولجنة ميثاق التعليم، وهيئة محاربة الرشوة ومجلس المنافسة، ولجنة إصلاح التعليم، ومجلس الجالية.. وغيرها من اللجان والمجالس التي تستنزف ميزانية الشعب. وبعضها تحول إلى مشاتل لاستنبات الريع السياسي تتنافس على الاستفادة من ريعها الأحزاب والنقابات والجمعيات وأصحاب الضمائر الرخيصة والنفوس الضعيفة والمواقف الطيعة... وآخر تلك اللجان، ولن تكون الأخيرة، هي لجنة إصلاح الدستور التي منحت المغاربة دستورا ممنوحا مازال فيه وزير العدل يحتاج إلى لجان ملكية للإشراف على صلاحياته!، والمفارقة أن اغلب اعضاء لجنة الدستور هم أعضاء هذه اللجنة!
هل كان إصلاح العدالة في حاجة فعلا إلى لجنة ملكية، في ظل الدستور الذي قال الجميع بانه أعطى صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة وأعضاء حكومته كل في مجال اختصاصه؟
من يؤمن بضرورة إصلاح العدالة لا يتمنى لبعض أعضاء هذه اللجنة، خاصة ممن عرفوا بمواقفهم الشجاعة في الدفاع عن العدل والحق في أحلك الأوقات، ان يتحولوا إلى مجرد شهود زور، ولن يقبل منهم اعتذارهم غذا مثلما فعل محمد الطوزي، عضو اللجنة الملكية لإصلاح الدستور، الذي خرج بعد أن استفاد من جميع تعويضات اللجنة المذكورة ليقول بأن عضويته بها كانت اعتباطية وبان جناح القصر داخلها كان مؤثرا ونافذا بل وحاسما في إجازة وتمرير وفرض قراراتها...
الإصلاح الحقيقي للعدالة يبدأ من وجود إرادة سياسية حقيقية وراء هذا الإصلاح تجعل المواطن يحس بانه يعيش داخل دولة الحق والقانون، حيث الجميع يتساوى أمام القانون، لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. والحكم على وجود هذه الإرادة يجب ان يترك للأفعال قبل الأقوال.
