الرجل الذي يبيع القرد
عبد الله الدامون
مرت الانتخابات الفرنسية واستمتعنا بتتبعها وفقا للحكمة السائرة «اللـّْي ما شْرا يتنزّه». نحن نحب التنزه على ديمقراطية الآخرين لأن الأمر يشبه دخول حديقة للحيوانات، نرى فيها الأسد والضبع والفيل والنسر والزرافة والكركدن، وفي النهاية نتركها حيث هي ونخرج لكي نعيش مع الكلاب والقطط والفئران والحمير، لأنها الحيوانات الوحيدة المتوفرة إلى جنبنا.
استمتعنا أيضا بحمق رجل اسمه ساركوزي، الذي من المتوقع أن يصبح غدا حاملا لصفة «الرئيس الفرنسي السابق». ساركوزي هو الذي كان رئيسا لفرنسا.. وكان صديقنا أيضا، على غرار كل رؤساء فرنسا المغاوير. لكن ساركوزي صديق خالص للمغاربة لأنه استطاع أن يقنعهم بشراء القرد، أي لعبة اسمها «التي جي في»، والتي يقال، والله أعلم، إن الناس لو ركبوها في طنجة، فسيكونون في الرباط في ساعة وعشرين دقيقة... ويا لها من لعبة لم نحلم بها يوما..
الأربعاء الماضي ناظر ساركوزي خصمه في الانتخابات، فرانسوا هولاند، ورأى الناس كيف أن رئيسا يشتم منافسه بألفاظ بذيئة على شاشة التلفزيون، ومع ذلك فإن قرابة نصف الفرنسيين يقولون إنهم سيصوتون لهذا الرئيس البذيء.
ساركوزي كان دائما «شمْكار» ويسب أول من يلتقيه. ومرة، كان يزور ميناء للصيد فهتف ضده بحارة، فأزال سترته ودعاهم إلى النزول من أجل الشجار يدا بيد. أكيد أن الصيادين، وهم المعروفون بالخشونة وفظاظة الطباع، فوجئوا بتصرف «السيد الرئيس».
في حملته الانتخابية، بدا ساركوزي تائها مثل ديك شرب قنينة خمر وبقي ساهرا حتى الصباح، وكانت أبرز محطاته الانتخابية هي دعوته إلى أن يأكل جميع التلاميذ في المدارس الفرنسية نفس الوجبات، أي تلك التي تتوفر على خنزير ونبيذ، يعني أنه لا فرق بين المسيحيين واليهود والمسلمين على طاولة الأكل. هذا جنون من نوع فريد.
ساركوزي حاول أن يبني نجاحه على إظهار المسلمين أعداء له، وبدا جليّا أنه يكرههم أيضا، رغم أن لا أحد يعرف لماذا يكره المسلمين ويبيعهم وهما كبيرا اسمه «القطار فائق السرعة» في صفقة من الخيال العلمي.
خاض ساركوزي أيضا حملته الأخيرة وسط أنباء قوية حول تلقيه أموالا من القذافي لتمويل حملاته الانتخابية. من الطبيعي، إذن، أن تكون القوات الفرنسية هي التي أشرفت على قتل القذافي حتى يُدفن لسانه معه، ومن الطبيعي أن نسمع بعد ذلك بـ«انتحار» وزير النفط الليبي، في عهد القذافي، في أحد الفنادق السويسرية قبل أيام. فوزير النفط كان يعرف تفاصيل مهولة حول الجهات التي كانت تقبض أموال النفط الليبية.
لكن ساركوزي لم يكن الرئيس الفرنسي الوحيد الذي يقبض من دكتاتوريات إفريقيا، فهناك سوابق كثيرة، لأنه لولا هذه القارة السوداء لما كانت فرنسا البيضاء على ما هي عليه اليوم من رفاهية وتقدم.
رؤساء فرنسا السابقون يتشابهون أيضا في أشياء كثيرة، خصوصا في النظرة المُحتقـِرة إلى الآخرين. لنتذكر صديقنا الحميم جاك شيراك، كيف كان يتحدث في حملاته الانتخابية الأولى عن روائح المهاجرين، وكأنها أسلحة كيماوية ستقتل الفرنسيين الأقحاح والنظيفين جدا.
لنتذكر أيضا فرانسوا ميتران، ذلك الرئيس الاشتراكي جدا جدا، لكن اشتراكيته لم تمنعه من أن يكون من أشد أنصار بقاء فرنسا في الجزائر وفي كل مستعمراتها الإفريقية. إن الاستعمار، في رأيه، يؤدي رسالة إنسانية نبيلة.
حتى دوغول، الرمز التاريخي لفرنسا بعد الحرب العالمية، رعى الدكتاتوريات وأخذ الكثير من المال من هذه البقرة التي يسمونها إفريقيا.
من الطبيعي، إذن، أن يكون ساركوزي رئيسا مشابها لرؤساء سابقين، لكن «مزيته» الوحيدة أنه رئيس بذيء، وهو يعترف بذلك بعظمة لسانه. وفي مناظرته الأخيرة ضد هولاند وصف منافسه قائلا: أنت نصاب صغير.
لا نعرف أبدا لماذا وصف «ساركو» منافسه بالنصاب، رغم أن الذي يبيع «التّي جي في» هو ساركوزي وليس هولانْد.
