انتصارا لوزراء العدالة و التنمية

انتصارا لوزراء العدالة و التنمية


ياسين كني

تشكل الحكومة الائتلافية التي يقودها حزب العدالة و التنمية,و خاصة بوزرائها المنتمين للحزب تجربة جديدة في المسار السياسي المغربي,إذ منذ الاستقلال و الى اليوم و مع تجارب الحكومات المتوالية لم تكن هذه الحكومات المتعاقبة الا تكرارا لنفس النموذج و نفس صيغة الحكم, اذ الأحزاب سواء منها القديمة او تلك التي أحدثها المخزن, لم تخض غمار تجربة جديدة في الحكم و التعاطي مع مفهوم الحكامة بل اكتفت بتنفيذ سياسة المخزن, وحتى مع تولي حكومة عبد الرحمن اليوسفي سدة الحكم لم تكن قادرة على إحداث ذلك التغيير الذي ظل اليسار يحلم به طيلة عقود, فتخلت عن القيم و المناضلين الذين ضحوا في سبيل إيصال اليسار الى الحكم لتنفيذ ذلك التغيير المنشود ,مما أدى الى انقسام و تشتت اليسار, وبعد ذلك أصبح حزب الاتحاد الاشتراكي مساهما رئيسيا في الحكومات التي تلت قيادته لتجربة التناوب و أصبح لدى الكثيرين حزبا كباقي الأحزاب في الوقت الذي كان المنتظر منه اكبر من ذلك بكثير.

تصدر اذا حزب العدالة والتنمية الانتخابات البرلمانية المغربية لأسباب عدة, بدءا من الربيع العربي و مرورا بنسبية النزاهة الانتخابية رغم ضعف المشاركة و ليس انتهاء برغبة المخزن في (حزب-منقذ) ينقذه من رياح الربيع العربي, وهكذا شكل الحزب حكومة برئاسة أمينه العام بن كيران بعد تكليف ملكي له, غير ان هذه الحكومة ضمت أوجه كان يرفضها عديد من الناخبين, لكن ضرورة الأغلبية البرلمانية فرضتها على الحزب.

منذ تشكل هذه الحكومة و النقد و الانتقاد يجر بعضه بعضا, فوجدت الحكومة نفسها بمعارضات متعددة و لأول مرة بمعارضة داخلية (اشارة الى معارضة بعض وزراء الائتلاف الحكومي لنظرائهم من العدالة و التنمية) وتحولت هذه المعارضة في كثير من الأحيان الى حرب إيديولوجية اقصائية ضد الحزب, وجاءت هذه المعارضات الشرسة في نظري لأسباب عدة اذكر منها: - الحرب ضد التجربة الاسلاموية: حارب بعض المعارضين حزب العدالة و التنمية حنقا على الاسلاموية و كرها فيها و تدعيما لفرضية عزل السياسة عن الدين باعتبار ان الحزب يمثل بشكل أو بآخر هذه الاسلاموية في المغرب باعتباره حزبا اسلامويا (مع التحفظ على المصطلح المخابراتي-الصحفي). -الحرب ضد النجاح: و إن كان النجاح لم يتبد تحققه من عدمه الا إن لوبيات بعينها تخاف من حكامة جيدة في البلاد باعتبارها مستفيدا من اللاحكامة سواء سياسيا او اقتصاديا او هما معا. -النقد خوفا على الاسلاموية: كثير من التيارات الإسلامية انتقدت بشدة تجربة العدالة و التنمية نظرا لتعدد المؤشرات على فشل الحكومة الشيء الذي سيجعل الاسلاموية في خطر باعتبار أنها خاضت التجربة و لم تنجح في نموذج العدالة و التنمية. -الحرب سعيا للريادة الاسلاموية: حوربت العدالة و التنمية من قوى إسلامية متعددة وذلك خوفا من هذه القوى أن يسحب الحزب بساط الريادة و القيادة الإسلامية المحلية بسبب احتمال نجاح تجربة العدالة و التنمية في مقابل اعتزال التجربة السياسية من الداخل من طرف هذه القوى.

رغم الطلعات و الهبطات و الأخطاء الإستراتيجية و التنازلات و التخبط التي يمكن ان يكون وزراء العدالة و التنمية قد وقعوا فيها بسبب قلة التجربة و دهشة و فتنة الكراسي ,و رغم خوض الحزب لتجربة خطيرة ربما تكون مؤشرات النجاح فيها ,لعوامل عدة, قليلة, رغم كل هذا و ذلك فان التجربة كأداء حكومي لا زال الوقت مبكرا للحكم عليها (وان لم يكن الوقت مبكرا في الحكم على منهج و مقاربة العمل السياسي او الحكومي), و إن كان الذين لم يخوضوا تجربة المشاركة في الحكومة كما الصحفيين و المحللين لهم كامل الحق في النقد البناء المصاحب للتجربة الحكومية , الا أنني(ولا ألزم أحدا) لا أرى أبدا للوزراء و الهيئات السياسية التي شاركت في حكومات سابقة ,خاصة القريبة العهد بهذه الحكومة ,قلت لا أرى مطلقا لهم حقا في انتقاد التجربة ولهؤلاء أقول : * وزراء العدالة و التنمية في وقت قليل استطاعوا ان يبدؤوا ورشات لم تستطع حكوماتكم حتى إن تثير قضاياها, وان كانوا لم يثيروا القضية بشكل منهجي صحيح و لم يستطيعوا إكمالها الا ان فتحها يشكل إضافة رائدة تحسب لها و خاصة ان إكمال هذه الورشات و إصلاح مناهجها لازال ممكن التحقق مادام لها الوقت الحكومي لذلك. * وزراء العدالة و التنمية و إن كانوا قد أخطؤوا حينا و تسرعوا أحيانا فان التاريخ و الواقع يشهد لهم بالنزاهة فلم نسمع منهم(ولا نتمنى ان نسمع) مختلسا و لا مفوتا للملك العمومي لصالحه و لا مستغلا للوظيفة , عكس كثير من الوزراء السابقين الذين تتناقل وسائل الإعلام المختلفة فسادهم السياسي و المهني بالتفويتات العقارية و المالية و استغلال المناصب و التهرب الضريبي و... إن النقد البناء هو النقد الذي ينير الطريق للآخر ليعرفه أخطاءه و لا ينس حسناته, ولا شكان وزراء العدالة و التنمية قد اقترفوا اخطاءا كبرى بالأساس منهجية , لكن هذا لا يمنع انهم يحاولون في ما يبدوا الإصلاح ما استطاعوا وسط حرب من لوبي الفساد القوي و وسط بعض التردد من طرفهم الا أنهم و في الأخير إن لم يحققوا شيئا فيكفيهم شرفا إن أياديهم ظلت ولازالت بيضاء و نتمنى ان تبقى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة