الإعلام هو السلطة الأولى اليوم
الحسن بنونة
تسمية الإعلام بالسلطة الرابعة مصطلح متفق عليه ، لكنني أرى في هذا المصطلح شيء من التنقيص في حق الإعلام ، ففي رأيي أن الإعلام قد حقق ارتقاء في مجالات عدة ، من ناحية حرية التعبير ، ومن ناحية تنوع مصادر الأخبار ، ومن ناحية تنوع نشرها ، كما من ناحية تعدد الوسائل ، فإن قلت أنه أصبح هو السلطة الأولى اليوم فلا تلومونني ،فإنني أرى ما تحقق ويتحقق للإعلام يعطيه الرتبة الأولى في التحكم في مجريات الأحداث . فاليوم لا يستطيع الحاكم أو حزب سياسي مثلا أن ينال من الإعلام ، لكن في المقابل يستطيع الإعلام أن ينال من الحاكم ومن أحزاب ومن حكومات و غيرهم . ولنا المثل فيما جرى في بعض الدول العربية مما سمي بالربيع العربي ، و فيما جرى في الثورة البرتقالية بأوكرانيا سنة 2004 ، و ما حدث في العراق ، فاتهام العراق بامتلاك الأسلحة النووية ، وأنه القوة الرابعة عالميا كل هذا أكده الإعلام ولو أنه كان كذبا ، و أثر مباشرة على ما جرى للدولة الشقيقة ، كل هذا دليل على ما أركز عليه أن الإعلام ارتقى من السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى في عصرنا هذا . طبعا ليس المقصود بالسلطة التي نتكلم عليها أنها سلطة تشريعية أو تنفيذية ، بل هي السلطة المؤثرة على التوجهات الجماهرية وعلى مجريات الأحداث .
لنعد إلى الوراء قليلا ، كان الإعلام مقتصرا على الكتابة في الجرائد والمجلات ، ولم تخرج هذه الصحف والمجلات عن حدود بلدانها التي طبعت فيها ، ثم جاء عهد المذياع – الراديو – فخرج الخبر من مواقع وقوعه إلى بلدان شتى لكن برقابة مشددة ، وبعدها وجدنا أنفسنا مع الصوت والصورة – التلفاز – يصلك الخبر و بالصور المتحركة عن وقوع كوارث طبيعية أو عن انقلابات في بلدان بعيدة ، وعند الشروع في إرسال الأقمار الصناعية إلى الفضاء و خاصة منها الإعلامية ، بدأنا نشاهد وقوع الحدث في وقته ، لأنه يُنقل عبر الفضائيات مباشرة من أماكن عدة .
رغم كل هذا كنّا نستقبل الخبر من ذوي الاختصاص فقط ، الإعلاميون ، و القارئ للصحف أو المستمع للراديو أو المشاهد للتلفزيون لا يستطيع أن يبدي برأيه أو وجهة نظره في خبر ما أو مقال ما ، إلاّ بعد ما شرعت بعض المحطات الإذاعية والتلفزيونية بثّ برامج مباشرة و تتلقى مكالمات عبر الهاتف من رواد تلك المحطة .
اليوم ونحن أمام الكمبيوتر و بفضل من الله أولا ثمّ بفضل العلماء الذين اكتشفوا الشبكة العنكبوتية – الأنترنت – يستطيع الإنسان أن يتلقى الخبر في حين وقوعه وكما يقولون من الفرن ، ولا حاجة له أن ينتظر ساعة الأخبار ، كما له الحق في الولوج إلى جرائد عدة محلية ووطنية وحتى دولية ويستقي الخبر الذي يجلب اهتمامه ، و لا يقف عند هذا الحد بل يستطيع التعليق عليه مؤيدا أو ناقدا ، كما يمكنه مناقشة المواضيع التي تتناسب مع تطلعاته و ما تهوى نفسه ، كالمواضيع الأدبية أو الرياضية أو السياسية أو غيرها .
فإذا افترضنا – والافتراض صحيح – أن السياسي نفسه يستعمل هذه الشبكة لمعرفة آراء المحللين و المثقفين وخصومه السياسيين والنقّاد و حتى آراء الشعب عن تصرفاته ، فهو اليوم ليس كالأمس ، بالأمس كان السياسي يستمع كما يستمع الجميع الخبر و ينتظر صدور الجرائد حتى يطّلع على ما قالته الصحافة في حقه في مجال كذا أو في الموقف كذا ، و بعدها فقط يتسنى له معرفة مدى القبول أو الرفض لقراراته و تصرفاته . لكنه اليوم و بضغطه على زر خفيف على لوحة حاسوبه يجد كل ما يقال عنه أو عن تصرفاته أو عن قراراته في رمشة عين ، ومن تلك الانتقادات أو الملاحظات أو حتى من التأييد يمكن له تجنب بعض الهفوات أو مواصلة الجهد للوصول إلى الغايات .
اليوم كل من يدخل عالم السياسة ، وكل من يصل إلى سدة الحكم ، يجد نفسه مراقبا رقابة يومية و حادّة لدرجة أنه لا يستطيع النطق بكلمة حتى يحسب لها ألف حساب ، فالصحافة في كل مكان ، ومن له هاتف نقال مزود بتسجيل الصوت والصورة يمكنه أن يزاول مهنة الصحافة في حينه - وليست الصحافة المهنية طبعا – لكن يستطيع أن ينشر ما سجله على صحف إلكترونية أو مواقع خاصة بنشر الفيديوهات مثل ما وقع بتونس ومصر وليبيا و اليمن أثناء ثوراتهم ، ومثل ما يقع اليوم في سوريا الشقيقة ، والتي نتمنى لشعبها أن يصل إلى ما يطمح إلية من الحرية والديمقراطية
لكل هذا أرى و الله أعلم أن الإعلام ارتقى من السلطة الرابعة إلى السلطة الأولى و بجدارة. و كتبت في أحد تعاليقي على بعض المواضيع في مثل هذا المجال (( أنّ العالم لم يعد تلك القرية الصغيرة كما كان يقال في السبعينيات والثمانينيات ، ولكنه أصبح اليوم كمقهى يتجالس فيها كل رواد ا لأنترنت في العالم لصف الأول ، وهذا رأيي الصف الرابع إلى امن و الإعلام ارتقى قهى للأنترنتمنعم العالم أصبح .))أراه صوابا ويحتمل الخطأ ، فما هو رأيك يا عزيزي القارئ ؟
