زمن «البيتبول»
مصطفى المسناوي
من الممتع دوما أن نعود إلى التصورات التي كان يحملها الناس في العقود السابقة عن العام ألفين وما وراءه ونقارنها بما تحقق فعلا بعد هذا العام لكي نكتشف مدى قصور تلك التصورات عما هو حاصل في وقتنا الراهن وعجزها عن الإحاطة بالتحولات التي يعرفها عالمنا المعاصر، والتي صارت تتسارع بشكل رهيب في السنوات الأخيرة، أو الأولى كما ينبغي القول، من القرن الجديد.
ولكيلا نوغل بعيدا في التاريخ نكتفي بالعقود الثلاثة الأخيرة، ولنتوقف عند نموذج محلي بسيط يتعلق بالتصوّر الذي كان لدى البعض عندنا حول حيوانات أليفة هي الكلاب. لقد كان الجميع يتصور -وانطلاقا من فكرة سائدة وقتها عن كون المجتمع ينقسم إلى طبقتين رئيسيتين هما البورجوازية والطبقة الفقيرة- أن الكلاب تنقسم، بدورها، إلى صنفين لا ثالث لهما: الكلاب المحلية المنتشرة في كل مكان (والمعروفة باسم واحد هو «المجاحيم»، مفرد «مجحوم») والكلاب الراقية المستوردة التي تطلق عليها أسماء من قبيل «الكانيش» و«البولدوغ» و«البيكينوا»... إلى غير ذلك.
وإذا كان الصنف الأول من الكلاب يعيش ويموت مجهول الهوية (باستثناء الاسم الذي يطلقه عليه أصحابه قيد حياته)، فإن الصنف الثاني لم يكن ممكنا تصوره بدون أوراق ثبوتية، على رأسها بطاقة التعريف والدفتر الطبي الخاص بالتلقيحات الدورية، مع تزويده بأكل خاص ببني جنسه يكلف الكثير من الأموال، على خلاف كلابنا الأليفة التي تأكل معنا مما نأكله، أو تأكل، في الحقيقة، من بقايا ما نأكله، دونما أدنى احتجاج وهي تحرك أذيالها في منتهى السعادة والحبور.
إلا أنه بعد ظهور الرفيق غورباتشوف بنظريته عن «البيريسترويكا» وما تلا ذلك من اختفاء للمعسكر الشرقي وانهيار جدار برلين، تحولت كثير من الأشياء، وفوجئ «منظـّرو» ثنائية المجتمع (الإنساني والحيواني معا) بانتشار فصائل كلبية جديدة، لعل أشهرها ذلك الفصيل الذي يطلق عليه اسم «البيتبول».
حقيقة أن أصل هذا النوع يعود إلى بريطانيا القرن التاسع عشر، حيث نجم عن توالد بين فصيلتين من الكلاب، هما «الترير» و«البولدوغ»، وذلك بهدف إنتاج كلاب فعالة في مصارعة الثيران أو الدببة التي كانت «رياضة» شعبية منتشرة على نحو واسع في تلك البلاد إلى أن تم منعها بشكل نهائي بسبب طابعها الوحشي؛ لكن ما لا يمكن فهمه هو الكيفية التي خرجت بها هذه الكلاب المتوحشة من بلدها الأصلي لتغزو كل العالم.
ولأنها وحشية فعلا، وتقوم فجأة بمهاجمة الأطفال والحيوانات والإطباق عليها بفكيها القويين (بقوة تصل إلى حوالي 300 كيلوغرام) لا تطلقها حتى الموت أو إصابتها بإعاقة دائمة على الأقل، اضطرت بلدان عديدة إلى وضع قوانين صارمة تمنع استيرادها وتملكها وتضع المخالفين تحت طائلة الغرامة والسجن، مثل فرنسا (قانون 6 يناير 1999) وبريطانيا (1999) والدانمارك (2010) والنرويج وكندا وأستراليا... إلى غير ذلك.. ما عدا في بلادنا السعيدة التي أحدثت فيها كلاب «البيتبول» أضرارا عديدة بالمواطنين، وأدت إلى بتر أرجل أطفال وإصابة الكثيرين بإعاقات دائمة، حيث لم تنفع كل المبادرات التي قامت بها جمعيات المجتمع المدني، وجمعيات أنشئت لهذا الغرض، في إسماع صوتها وإقرار قانون مماثل لما هو موجود في العالم، يمنع استيراد هذه الحيوانات المتوحشة وتملكها وبيعها والتجول بها علنا في الشارع كما هو حاصل اليوم، إلى درجة أن البعض يشكك في أن يكون هذا النوع من الكلاب يتوفر على «حماية دولية» سرية تمنع من التعرض له بسوء، وهي شكوك ازدادت قوة مع دعوة أحد مغني الراب الأمريكيين إلى إقامة حفل مؤخرا في بلادنا، يدعى «بيتبول» ويفتخر بهذه التسمية، وما صاحب هذا الحفل من أحداث توحي بأن هذا «البيتبول» يملك سلطة عابرة للقارات، ترغم على الانكماش أمامها كل السلطات.
هل نكون دخلنا، إذن، ومن غير أحذية، زمن «البيتبول»؟
ذلك هو السؤال.
