إلى التي من بعدها تموتُ كلّ النّساء

إلى التي من بعدها تموتُ كلّ النّساء

عبد الفتاح عالمي

 

أمّي إنّ الأوفوريا تفقد كثافتها من دونك، ويصير ورق السّنديان وبخور الملائكة وبحار الحبّ عند الصّوفية مجرّد أوهام .. إنّ حزنك كاف لتشتيت القارّات في داخلي و جعلي مجرّد روبوت لا يتقن لغة صالحة للإستعمال.. أمي .. أحتاج أن نكتري كرسيّا خشبيا ونجلس بجانب البحر، أن أقول لك بعض الأشياء وأن أتأمّل وجهك جيّدا، أحتاجُ أن يعزف لنا موسيقار من بعيد كل ما ضيّعناه، أن نُمضي بعض الساعات معا وأن نختفي في اللاّمكان .. أمي .. لا أحتآجُ شيئا، أحتاج فقط أن أغفو على كتفك، أن يترُكنا بحالنا الزّمن، أن أضع يدي على ثغرك قبل أن تقولي هيّا لقد تأخّر الوقت.. أمي إنّي أخاف أن أفقدك ذلك اليوم، أخاف أن أبكي كلّ ما لم أمضه معك، كل ألم تسبّبت به، كلّ سوء أدب وكلّ ذرّة من الزّمن قضّيتها بعيدا عنك .. أمي أتُدركين معنى أن أعيش وبداخلي وجع صغير باسمك، أخاف أن أصير فجأة بدون أمّ، أخاف أن أتحمّل الألم الذي حملته بين أضلعك طول حياتك.. إنّي سأتعب من دونك .. لن أموت كما سأظنّ، سأبحث عنك كثيرا لكنّني لن أجدك، سأصير من دون وجه ، سأصير باهتا .. كنت في المستوى الأول ابتدائي حين أخبرتك أنني كنت سأكون حزينا لو لم تلديني، ضحكتِ يومها كثيرا حتى آلمتك معدتك .. غضبت من ردّة فعلك وحين رأيت جدّيتي كدت تفقدين صوابك وأنت تحاولين إفهام طفل صغير قواعد فلسفة الوجود والعدم، كان أوّل درس فلسفة يُلقّنه لي أحدهم .. لكنّني أصررت أني كنت سأكون حزينا في العدم من دونك أنت وأبي. كبرت ولا زلت أرددها بيقين وأضرب عرض الحائط بكل نظريات الفيزياء النظرية لأستمتع بابتسامتك وأنت تقولين متى يصير لك عقل أيها الأحمق.. إنّك معجزة كونية وأكسجين خال من ملوّثات الحياة، إنّك مبرهنة رياضية على أنّ الحياة من دونك معادلة صعبة.. المعلّقات السبع وقصائد هوميروس وأعوام من الوطن لناجي ومطر وغسّان، لا تعدل سطرا حلالا في حبّك ولو وُزنت بماء الذّهب أو عُوّضت بالغفران.. كنت بالسّابعة حين سألت صديقي كيف يكون شكل الأميرات، أخبرتني أنّهن دوما جميلات، يلبسن فساتينا غالية وباستطاعتهنّ شراء كل الحلوى التي يبيعها " بّا علي " بجوار المدرسة، مرّت الأعوام واكتشفت أنّ هناك أميرات يُربّين الأجيال ويعجنّ الخبز ولهنّ احتياطي ضخم من الحبّ والحنان يسع مجرّة وبضع كويكبات من البشر.. كبرت وأدركت أنّ الوطن مملوء بالأميرات الحقيقيات، وأنّ لكلّ أميرته.. فحبّ الأمّ وحده إمارة يضيع فيها العاقّ ويتلمّس طريقه فيها البارّ ، وكما هو حبّ الوالدين غريب.. فميكانيزما الحب عند الأمّ أغرب، إنها تتألّم لتأتي بك للعالم، فتُحبّك أكثر من كل من في العالم .. إنّك تمتصّ الشباب منها وهي تغفر لك كلّ هفوات الشّباب .. إنّك تكبر فتبعدك عنها مشاغل الحياة، وتظلّ أنت بالنسبة لها كلّ الحياة.. إنّها العيد وحلوى الطفولة والأحلام المُبعثرة بالسّماء .. إنها هي .. إنها إحدى أجمل هبات السّماء.. وفي الختم ..، إلى التي من بعدها تموتُ كلّ النساء : أحبّك إلى يوم يُبعثون

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة