كبسولات تنويم ذاتي

كبسولات تنويم ذاتي

عبد الفتاح عالمي

 

إن الخلط بين التحفيز على التغيير والتغيير نفسه هو ما جعل لدروس البرمجة اللغوية العصبية سمعة بائرة، فالمرء يحضر هذه الدورات التدريبية وكلّها عبارات لمّاعة برّاقة تجعله مقتنعا أن الترشح للانتخابات القادمة ليس صعبا أبدا وأنّ قطع ميل في أربع دقائق كروجر بانستر مسألة وقت وحسب.. فجأة يكتشف أنه إنسان جديد، إن الأمر عنيف وساخن، يسري في عروقك كشحنة إلكترون سالبة، تبني علاقات، توزع ابتسامات هنا وهناك يشيع ضوءك كحزمة ضوئية منعكسة في مرآة! إن الإنسان بطبعه يميل لمن يطمئنه ويخبره أن الأمور ستكون بخير وقد وفّرت هذه الندوات بيئة صالحة لذلك بميكانيزمات تعتمد على مهارات الإلقاء ومخاطبة اللاوعي، وبمستويات تبدأ من إثارتك لاستفاقتك من غفوتك وتنتهي بحالة من الإدراك التام لوضعك وما يلزمك فعلا لتكون الشخص الذي تريده، فأغلب عناوين الكتب تبدأ بـ "هل تريد..، كيف تصير..، أسرار الشخصية..، ما لا تعرفه عن.." و هي أشبه ما تكون بمنشورات السوبر ماركت حيث الإغراء على شاكلة "صالح إلى غاية..، عرض خاص.."، لتجدها في مجملها عناوينا تداعب دفاعات الإنسان.. فهو يريد ويحب أن يعرف وأن يصير، وفي تركيبة دماغه هناك رادار يخبره بأن كل عرض خاص أو ستنتهي صلاحيته في أجل محدّد لابدّ أن يكون فرصة وقد لقّنوه باكرا أن الفرص لا يجب أن تضيع! لا تجد أشياء من قبيل اسهر ليلا وأحرق أعصابك وأنت تراجع دروسك، هناك فقط تلك العبارات مثل "أغمض عينيك"، "تخيّل"، "خذ نفسا عميقا"، "ٱسترخي"، فتقوم بذلك وتكتشف أن شعورا رائعا علق بتلابيبك فتتحمس وتظن أنّ هناك سحرا ما وأنك في طور النجاح والتغيير، في حين أن كلّ ما في الأمر أن هذا الشعور يمتعُنا لأننا لا نُغمض عينينا إلا حين ننام ولا نتخيّل إلا و نحن واقعون في السعادة أو الحب، و لا نأخذ نفسا عميقا إلا أمام البحر أو الخضرة ولا نكون في قمة استرخائنا إلا صباحا حين يجب أن نقوم من الفراش للعمل .. فهي مبدئيا حالات مقترنة في عقلنا الباطن بأمور جميلة تبعث بعض الخدر المميّز في الحياة. إننا نعتقد أن هذه الدروس توجد حلولا وهي لا تفعل أكثر من تمهيد الطريق لصنع الحلول، لذلك بعد يوم أو اثنين من قراءة كتاب أو حضور ندوة من هذه الندوات نجد أننا عدنا لعاداتنا اليومية السيّئة ولأسلوب عيشنا الطبيعي، وسيبدو غريبا أن تجد أن من يقبل بجدّ على كتاب على شاكلة "عقلية المليونير" عاطل عن العمل ومستلق طيلة اليوم فوق أريكة يلعن من حوله ويشارك في وقفات احتجاجية أمام البرلمان، في حين أن الشيء الوحيد الأكيد أن أصحاب استراتيجية المليونير ليس لديهم وقت لقراءة كتب مماثلة إنهم يفضلون الانتقال للميدان عوض التسكّع في المدرّجات! وفي الختم..، إن لعبة التحفيز أمر صحّي، لكنّ انتظار الكثير منها دون تطوير مضادات أجسام قويّة هو ما يحيل دروس التنمية الذاتية لكبسولات تنويم ذاتي، حقا ماذا سننتظر من إنسان يستيقظ ليعمل ويعود من عمله لينام ويستيقظ اليوم الموالي ليقوم بنفس الأشياء طيلة سنوات، إننا نحتاج أن نشرق و نضحك ونبتسم، أن نطّلع على مخلتف العلوم مهما كانت ميولنا أو تخصّصنا بعيدا عنها، أن نغدّي أرواحنا بالقرآن، أن نستبدل إدمان المسلسلات والأفلام بإدمان مختلف البرامج الوثائقية..

 

باختصار.. الحلّ يبدأ بإدراك أن التميّز ليس في وُسع الكلّ!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة