رجاء...قليل من الاحترام لهذا الشعب.
ابراهيم حياني التزروتي
بعد ستة أشهر من الانتظار يخرج الجنين أخيرا، لكن بملامح ووجه مشوه وممسوخ، لا هو يميني ولا هو يساري ولا هو حتى ليبرالي، لا ديمقراطي ولا سلطوي ولا هو شمولي، لاشيء من كل التصنيفات والقوالب المعروفة هو أشبه بالمخلوق الهجين المستحيل التصنيف ولا التخصيص.
غياب العنصر الأساسي في المعادلة الذي هو صوت الشعب في الصيغة الكيميائية الحكومية التي أعلن عنها العثماني، كشفت أن ما أفرزته نتائج اقتراع سابع أكتوبر يمكن أن نقول عنه أنه كان وبقليل من التخفيف تمثيلية مسرحية لإخراج المشهد على أحسن وجه بما يجعل عملية اغتصاب الشعب تكون من باب الحلال وبما يرضي الله.
من حق العدالة والتنمية كحزب أن يتخذ بتقديره الخطوات التي يراها متوافقة مع المرحلة، والأمر نفسه مع القصر فمن حقه أن يلعب بالطريقة التي يجدها مناسبة للحفاظ على سلطته، وهو الأمر الذي يسير مع كل الأطراف في مربع السلطة، لكن هذا لا يعني انه من حق أحدهم أن يصل به الأمر لدرجة الاستخفاف واحتقار الشعب وجعله الكرة التي يتقاذفها الجميع للحفاظ على مصالحه الشخصية والفئوية تلك.
قد تكون المسؤولية الكبيرة فيما وصلنا إليه يتحملها القصر بالدرجة الأولى، ثم من بعدها من لم يحافظوا على الأمانة التي للشعب على أعناقهم، فالأول لم يحد حكما محايدا وربما لم
يكن كذلك، لكن على الأقل إذا ما كان هناك لابد من الانحياز لطرف فان يكون ذلك لصالح الشعب أو اضعف الإيمان حياد ايجابي ولا ضرر ولا ضرار آنئذ.
مع الصيغة والتوليفة الحكومية الجديدة تكون الأمور وصلت حد لا يطاق من التمييع، فالقصر من المفروض أن يتطور ولا يجب أن تبقى دائما تلك العقلية الميكانيكية التي يحكم بها البلد ويتعامل بها مع الشعب.
فالاتحاد الاشتراكي إذا مات فذلك لأنه لم يعمل بوسائل بقائه، أما فرضه والدفع به عنوة لا لشيء سوى لأن تكتيكات النظام تقتضي أن يكون هناك منافسين يحدون من طموحات من يتجاوزون قدرا محددا من النفوذ السياسي والمجتمعي فذلك شيء مرفوض وغير مقبول تماما في نظام يدعي انه فتح عهدا جديدا في علاقته مع الشعب، ولا يجب أن يكون ذلك على حساب مصلحة البلد ومستقبله الحقيقي وليست مصلحة البلد تلك التي يرددها رئيس الحكومة الجديد لتبرير مخلوقه الجديد.
كلنا يتذكر يوم اصطحب معه الملك الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي لمأدبة عشاء على شرف الرئيس الفرنسي آنذاك هولاند عندما كان في زيارة للمغرب دون أن يحضرها حتى رئيس الحكومة نفسه آنذاك، وكلنا يتذكر كذلك عندما قام الملك بمعية الرجل بتدشين شارع كبير في مدينة طنجة يحمل اسم عبد الرحمان اليوسفي، وهو الشيء الذي صفق له الكثيرين، لكن أو كنتم تظنون حقا أن كل ذلك كان عبثا؟، وهل كنتم تصدقون تلك الأطروحة الحالمة انه إحساس بالذنب على العزل -غير العادل- للرجل ذات يوم وان ما قام الملك به ما هو الا اعتراف وتذكير بالجميل؟.
اليوسفي كان طوق نجاة، فالقصر وحده من يعرف أن الرجل هو الوحيد المؤهل لمنافسة بنكيران وحزبه، وعملية الإنعاش العديدة كانت بغرض إرجاع الرجل للحياة السياسية بأي شكل من الإشكال.
فمن كل ما هو موجود على الساحة كان اليوسفي هو الشخصية المناسبة "لمشروع إنقاذ جديد" والتي ممكن أن تجمع "اليسار الرسمي" في كتلة واحدة لمواجهة مشروع وشعبية الإسلاميين المهدد الحقيقي لسلطة القصر، فهذا الأخير يعرف أكثر من غيره ألا يمكن لأي من الأحزاب الحالية منافسته بشكل مشروع دون هذه الطريقة أو دون الاستعانة بتدخل "خشن" من الدولة، لكن يبدو أن لقدر المرض رأي آخر. لذلك كان من المفروض من عرابي الخريطة السياسية الانتقال إلى الخطة (ب) ريثما يتم البث في أمر طريقة أخرى لذلك والخطة هي الدفع بالاتحاد في الحكومة بأي شكل من الاشكال.
من سخرية القدر أن الاتحاد الاشتراكي الذي كان يجابه النظام على السلطة ويقف ندا للند معه كأقوى طرف آنذاك، أصبح اليوم مثيرا للشفقة للدرجة التي أصبح فيها من كان " نظاما
إقطاعيا وبورجوازيا" ذات يوم من أيام سنوات الستينات والسبعينات هو نفسه من يسعى جاهدا لكي يبقيه على قيد الحياة، بما يجعله قادرا على أداء وظائفه الحيوية الأولى على الأقل داخل المشهد السياسي.
مع القصر لاشيء يتم عبثا، كل خطوة تكون محسوبة، أي قرار يدرس ويحلل قبل أن يخرج للوجود، حتى تلك التي تبدو فيها مزاجية من الحاكم فهي غير كذلك، الأمر كذلك مع فيتو إخراج الحكومة دون ما يريد الجالس على العرش ومن يشتغلون على إبقاء منظومته اللاعب رقم واحد داخل الحقل.
موت الاتحاد الاشتراكي كانت تعني موت قاطرة اليسار الكبرى، يعني بالنسبة للقصر اختلال في التوازن، يعني أن خيوط التحكم في اللعبة ستنفلت من بين يده، وهو ما لا يجب السماح به، لذلك فإشراكه في الحكومة الحالية كان ضرورة قصوى لأن ذلك سيكون بمثابة عملية إنعاش أخيرة لإعادته للحياة بعدما أوصله لشكر إلى مرحلة الاحتضار، وإلا فدون ذلك سيعني ذهاب الحزب إلى مثواه الأخير.
بالنسبة للقصر الاتحاد الاشتراكي بتاريخه وحضوره المعنوي في المشهد السياسي يؤهله للعب دور الند الذي يوازن به القصر سلطته، فقد كان الطرف الوحيد المؤهل عمليا في الوقت الحالي أو على المدى القريب للعب دور الكابح لتمدد وتزايد سلطة العدالة والتنمية التي أصبحت فعلا وبمنطق الأمر الواقع هي اللاعب الثاني بعد القصر.
فليطمئن القصر الآن بعدما تأتى له ما أراد، وليفرح من كانوا يهللون ويصيحون فرحا بإخراج بنكيران من اللعبة، وليفرح كل من كان يعتقد أن الخلاف حقا كان خلافا عاديا حقا وأن الأمور كانت كلها بريئة. وحده الشعب سيبقى من يعاني وسيبقى وحده أسير أحلاما في عدالة اجتماعية وعيش كريم وحده القدر يعرف متى وكيف؟.
الشيء الوحيد الذي سيتحسر عليه المغاربة حتما بعد اليوم هو زمن كان هناك رئيس حكومة يقول لهم ما لا يستطيع ولن يستطيع احد بعده قوله، اتفقت معه أو اختلفت سيأتي يوم سنكتشف فيه أن بنكيران رجل سبق زمنه، وأن ما أتانا به الرجل كان لا يصلح لقوم اليوم، فالآن استعدوا للعودة من جديد إلى زمن "واخا نعاماس"، وهي اللولا الشاف"، فهو مقاسنا الحقيقي وهو الشكل الذي نستحق.
