تراتيل بطة بطرسبرغ
عبد الفتاح عالمي
لقد كنت أتكفّن باللحاف جيّدا وأرفع قدماي لأسمح للغطاء بأن يكون فراشا وغطاء بنفس الوقت كما يفعل كل المتدثّرون في هذا العالم، لكنني كنت باردا وككل ليلة أذوب ببطء كقطعة آيس كريم في الخامس من يونيو أو كشحاذ تعس الحظ يبيت في العراء ..فهل البرودة هي غياب الحرارة عن الجسم أم هي استشراء لعين للتعاسة في الجسد.. ثم أليس الاحتراق تفاعلا كيميائيا بين مادتين؟ لماذا إذن أحترق رغم تداعيات الانشطار الأوّل وأيّ خبث علميّ يجعل قواعد "الديناميكا الحرارية" تدير ظهرها للبشر.. تذكر كم تضايقت من أستاذة الفلسفة التي كان يحلو لك مناداتها بـ"بومة ليننغراد" منذ وضعت لك عددا فرديا في نتيجتك رغم محاولاتي الشّريفة لحثّك على تعويضها بـ"بطّة بطرسبرغ " لقد كانت المجزوءة الأولى عن الميثولوجيا الإغريقية وبطل أوّل درس فيها كان "سيزيف"، سخرت من روح الأسطورة وتجادلت والأستاذة كثيرا لأجد نفسي بالنهاية مطرودا خارج القاعة أراقبكم من الزجاج المضبّب ونصفكم نائم والنصف الآخر يحتضر في انتظار الجرس، ووحدك تراقبني بنظرة لعوب ويدك الشمالية تخدش عزلة كيس الفستق في محفظتي وأنت تمضغ حبّاته المحرّمة على مهل.. أووه لو تعلم كم تشتاقني تلك الأيام، صحيح أتخبرني كيف تجعل التشيطن حلالا هكذا ؟ الآن وقد شارفت على توديع عقد من الزمن منذ ذلك الحين، بدأت أفهم إلى أيّ حد يمكننا أن نكون نظائرا كاربونية وفية لسيزيف مهما ادعينا العكس..لقد مرت سنوات طوال على فراقنا و شهور قفار منذ بلغني أنّ روحك فارقت الجسد لكنني لازلت منتكسا بك أخبّئك يسار أضلعي ولا رغبة لي في إخلاء سبيلك.. إن شرطي المرور ببعض الإشارات بيديه يستطيع فك الزّحمة، والطبيب ببضع أدوية يصفها يعلن مع القولون هدنة، وأنا أكتب إليك وأريد أن أتعافى من النكبة وكلما كتبت إليك لأشفى توعّكت بك من جديد وزهدت في التوبة، فهل يكون اجترار الغفران منك عقيما لهذا الحدّ؟ ولماذا الأموات غير مبالين وما الفرق بين أن أنتحب فوق شاهدك أو أتخشع أو أسرد بعض النكث بخفوت كي لا يسمعني الموتى الرسميون.. إن أبشع المدارك أن نكتشف أن المشاعر الحقيقية لا تظهر إلا بعد النهايات، إن إدراك ذلك كڤيروس متسلط يفتك بتلابيب الروح وينخرها حتى العظم، إن كل المشاعر بعدها لا تحتاج مجمّدا يستر عبث الزمن فيها، لأنها تظل طريّة كما لم تستهلك في المرة الأولى لتقلب لنا من جديد قواعد الكيمياء والفيزياء من أساساتها. وفي الختم..، الآن يا صديقي ما عدت أريد شيئا، أريد فقط أن أخبرك أني أذنبت في حقك حين قبلت بتزلّف عرضك وضع حدّ لما كان بيننا حين قبلت منك أقسى قرار طحن روحينا من الندم.. أريد فقط أن أترك لك محفظتي لتسرق منها ما شئت من الفستق والشوكولا التي كنا نراها تذوب بتعفّف في أفواه الرفاق البرجوازيين فنُعاهد أنفسنا بالدراسة والمثابرة لنحصل يوما على راتب محترم يسهّل عبور الشوكولا الإفرنجية لأمعائنا الصغيرة
