كي لا أتأكسد

كي لا أتأكسد

عبد الفتاح عالمي

 

أكتب لأن الكتابة تكاليفها أرخص ولأنني لا أملك مصاريف الفاتورة في منتجع بأيسلندا أو مدغشقر، ولأن الكتابة لا تحتاج رخصة حكومية أو مقابلة عمل ..أكتب لأن المواطن يولد مكتئبا ولأن مضادات الاكتئاب تسبب لي قرحة معدية.. أكتب لأني لا أريد أن ينتهي بي الحال في سجن بارد أو في ناد متهالك لذوي الدخل المحدود أو في بلد ترابه أرخص من الخردة، أكتب كي لا تتأكسد دواخلي وتلفظني ماكينة الوجود فتفوح مني رائحة مستشفياتنا الرديئة.. أكتب لأني أكره أن أشحذ شفقة أرواح لا تملك سوى مناشفا ورقية وبضع تسجيلات صوتية، أكتب لأني فارغ ككل الصفحات الأولى من الكتب ومخزي ككل النهايات فيها، أكتب لأني خنت الفطرة الأولى وازدحمت بعناصر دخيلة ككل علب التونة المستوردة.. أكتب لأني عصبي ولأن حياكة اللغة وحدها تهدئني أكثر مما تفعل كبسولات الأندورفين المحتالة ولأن تركيب الحروف يسعدني كما تسعد قطع اللوغو المخلوقات الصغيرة، ولأن التدفق في هذه الحياة نصفه إرادة وربعه إثارة والبقية محجوزة عند أصحاب الإمارة.. أكتب لأن طبيبي لم يدرّسه أستاذ "الفارماكولوجيا" أن بعض الأمراض لا تحتاج أدوية، لذلك فهو يكتب لي وصفات وأنا أضع فوقها أحرفا ترقص التانغو وتغتسل ببخور كمبوديّ ينتشي بالوصال في ربوع "لييج" .. أكتب لأن الأفق البعيد منهك من الخطايا والحلم متورّم من عبث الأيامى، والزمن يعزف الكونصيرطو الأعظم لرودريغو ويعقّم النهايات في بيت مبعوث العباسيّين الإمام الشافعي "ولا تجزع لنازلة الليالي ..فما لحوادث الدنيا بقاءُ"! أكتب من أجل أرواح نفقت وهي تنتظر الحياة ومن أجل وعود علقها قطاع الطرق بأشجار الأركان، ومن أجل انتظارات كفّنها الواقع فدخّنتها الأيام وأنا لا أحب الدخان .. لا أحب الدخان .. أكتب لأني لفظت آخر آمال فوكوياما في نهاية محترمة للتاريخ وتزكّيت بالعدمية في دروس الجغرافيا المنوّمة، وقنعت بلعبة "بازل" أركب فيها حروفا تتداخل فيها معاني النرڤانا مجردة من الوعود ومتاهات الأزمنة.. أكتب لأنه لا رغبة لي في رؤية عجائب الدنيا السبع ولا وقت لديّ للبحث عن السعادة، ولأن الفرحات الحقيقية تأتي متباعدة كقطرات الصنبور و أنا تضايقني تلك الطق طق طق.. ولأن الشّاه في بلداننا العربية يموت فوق رقعة الشطرنج فقط! لن أقول أني أكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني بل أكتب لأننا متورطون من دون إذننا في هذا الكوكب ولأن الكتابة في زمن النجاسة غواية.. ولأنني أحلم بعالم الحياة فيه كوكتيل منسجم مع إيحاءات النسبية المحضة، حيث البشر مهذبون و نباتيون والورد يسقى بماء مفلتر والمتسوّلون لا يستجدون سوى عناقا و قبلة.. وفي الختم..، أكتب لأني أريد أن أكون حقيقة، أن أكون أنزيما لا يتخمر بأقاويل البشر أو نظاما شمسيا لا يهمه من رحل..أكتب لأني أريد أن أكون بعدا ثالثا حيث كلّ الفرضيات.. حقيقة!

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة