ما هكذا يتّمّ تشكيل الحكومة يا سعد ُ
رشيد أخريبيش
الحدث الأبرز الذي كان الكل ينتظره منذ انتخابات 7 أكتوبر 2016 هو حدث تشكيل الحكومة، الذي عرف صراعا منذ أن عُيّن بنكيران رئيساً للحكومة بعد الانتخابات التشريعية ، والذي فشل في توحيد صفوف الأحزاب ، وغادر على حين غرة مرغماً، فما كان من أصدقائه إلاّ أن تهافتوا على مساندة السيدّ العثماني الذي تحمّل مسؤولية تشكيل الحكومة، رغم العتاب الذي تبعه بعد أن رضخ لبعض الإملاءات التي رفضها سلفه. الحكومة تمّ تشكيلها برئاسة الطبيب النفساني لكنّ اللافت أنّ هذه التشكيلة الحكومية تعاني من علل ربما لم يستطع طبيبنا تشخيصها، أو ربما فضل عدم تشخيصها غاية في نفس الرجل الذي يعرف أنّ اختياره لم يتمّ إلا من أجل القطع مع حالة "البلوكاج" التي عرفها مسار المفاوضات من أجل تشكيل الحكومة .
إنّ المتتبع لتشكيلة الحكومة الجديدة سيجد أنّها لم تحترم إرادة الشّعب، ولم تكن مقنعة للعديد من المغاربة، خصوصا الذين صوّتوا لحزب العدالة والتنمية، والذين بفضلهم تصدر الحزب انتخابات 7 أكتوبر، الشيء الذي خلق حالة استياءٍ عارمة ، خاصة داخل أنصار الحزب الذين انقسموا إلى تيارين، تيار يساند العثماني ويعتبر ذلك تجسيداً للإرادة الشعبية، وتيار آخر يعارض ما حدث ويعتقد أن الحزب قد انحرف عن السّكة وبات يغرّد خارج السرب .
أن يحصل الحزب على 125 مقعداً في الانتخابات، وفي النهاية لا يحصل إلا على قطاعات حكومية ليست لها الأهمية الكبرى، عكس القطاعات الاستراتيجية التي انتهت في يد أحزاب أخرى حصلت على عدد أقل من المقاعد في الانتخابات، ومع ذلك كان نصيبها أكبر من هذا التوزيع ،فهذه أكبر فضيحة ، لأنها أظهرت بما لا يدع مجالا للشك حرص قادة
حزب العدالة على المناصب ، و فرّطوا في إرادة الشّعب التي كانت سببا في تلك المكاسب التي حققها الحزب.
أنصار رئيس الحكومة الجديد يبرّرون ما وقع ويحاولون إيجاد ذرائع لهذا الإنقلاب الذي حدث في مواقفهم ،لكنّ الحقيقة واضحة للجميع، واضحة لأصدقائهم في الحزب، وواضحة كذلك للمغاربة الذين ترحّموا على السياسة بعد تلك الفضيحة.
بعد إعلان العثماني عن تشكيل الحكومة الجديدة، وبعد توزيع المناصب الوزارية بتلك الطريقة التي لاحظها الجميع ، خرج البعض مفسّراً عدم حصول حزب العدالة على الوزارات الاستراتيجية بأنه منطقي وليس فيه أي إجحاف في حق الحزب الذي تصدر الانتخابات، فتقلُّد المناصب حسب هؤلاء أخذ بعين الاعتبار الكفاءة، لذلك فجلّ هذه الوزارات كانت من نصيب أحزاب أخرى لها من الكفاءة ما يكفي لتقلّدها.
حتى لو حاولنا أن نصدّق أنفسنا بأنّ توزيع الحقائب اعتُمِد فيه على الكفاءة على أساس الشخص المناسب في المكان المناسب، فهل هذا يستقيم مع المنطق الديمقراطي؟ وهل يمكن أن نسلّم بهذا المنطق ونتجاهل الإرادة الشعبية التي تمنح الشرعية لمن أرادت؟ وهل الكفاءة تشفع لنا بالإنقلاب على هذه الإرادة والاعتماد على الكفاءة لوحدها؟
بما أنّ الكفاءة هي المعيار الذي يُعتمد عليه في توزيع الحقائب، وبما أنّه لا فرق بين حزب تصّدر الانتخابات وآخر احتلّ مراتب متأخرة، فإنّه من العدل ألاّ نُبقي على هذه الانتخابات، فما الغاية من الانتخابات، وما الغاية من صناديق الاقتراع إذا كانت لا تعبّر عن إرادة الشّعب ؟ وما الغرض منها إذا كانت لا تُستحضر في تشكيل الحكومة؟
مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة مع أنّها لم تراعِ الديمقراطية في توزيع الحقائب بين الأحزاب حسب الاستحقاق الانتخابي، فإنّ هناك منطق آخر لم يكن سليما والمتمثل في تلك الترضيات التي حدثت في اختيار أسماء الوزراء الذين تحمّلوا المسؤولية، وهذا ما جعل العديد ممّن أُسندت إليهم المناصب الوزارية في مجموعة من القطاعات لا علاقة لهم بهذه القطاعات، الشّيء الذي يوحي بأنّ منطق تقسيم الغنيمة هو السائد أثناء مشاورات تشكيل الحكومة . قلنا مراراً إنّ حزب العدالة والتنمية وإن كان يرفع شعار محاربة الفساد والمفسدين، فإنّه سيأتي اليوم الذي يُكشّر فيه عن أنيابه وسيتحالف مع الفساد أمام أنظار أتباعه ،فماذا يعني أن يتجاهل إرادة من منحوه التفويض لمحاربة الفساد؟ وماذا يعني أن يتراجع عن كلّ الوعود التي قدّمها للشعب ؟ وماذا يعني أن يرضخ لأحزاب كان الشّعب قد أسقطهم من قاموسه ولفظهم كما يلفظ البحر الطّحالب؟
الشعب فهم اللّعبة وفهم أنّ اختياره لحزب العدالة والتنمية لقيادة المرحلة كان خطأً، وأنّ تفويض أمره إليه ما كان ليتّم، وهذا واضح من خلال حجم ردود الأفعال التي تلت الإعلان عن الحكومة .
فبعد هذه الطريقة المعيبة التي قدّم بها حزب العدالة نفسه إلى الشّعب، وبعد ذلك الغضب العارم الذي خلقته تنازلاته، لا نستبعد أن ينقسم الحزب وتذهب ريحه ويعود إلى سيرته الأولى، وهذا واضح من خلال تصريحات بعض القادة الذين اعتبروا ما أقدم عليه السيد العثماني تفريطاً في ثوابت الحزب وتراجعاً عن المبادئ، بل هناك من توعّد بعرقلة منح الثقة لحكومة العثماني الشيء الذي يجعل الأمور أكثر صعوبة لدى طبيبنا المحترم. أتأسف لحال بعض الأتباع الذين كانوا يهاجمون كل من يتحدث عن حزب العدالة والتنمية، والذين كانوا يبرّرون أي خطوة يقدم عليها قادة الحزب ،أتأسف لحالهم بعد هذا الذي حدث، كما أخشى أن يصدقوا كلام قادتهم من جديد، ويعيدوا الاستماع إلى مسرحية جديدة ستكون أكثر إبداعا من سابقاتها..
