من دون فوتوشوب

من دون فوتوشوب

عبد الفتاح عالمي

 

صرنا نلعب " لعبة الصراحة " وكأنّنا نعترف بأننا غير صريحين، وخصّصنا شهر أبريل للكذب وكأننا بباقي أشهر السنة صادقون.. نمضي أكثر من عشرين سنة ندرس لنتخصّص و نحصل على شهادة دكتوراه في علم معيّن و شهادة أمّية في باقي العلوم .. البعض منا مصاب بـ " أنوركسيا" معرفيّة، والبعض الآخر مصاب بـ "بوليميا" التفاهات والأخبار الفارغة.. أصبحنا بخلاء في نشر مشاعرنا الجميلة وكرماء في الانتقاد والسخرية ممن حولنا بأساليب وضيعة.. وفي كل مرة نريد أن نستنكر أخلاقيات البشر من حولنا نقول "واخا يكون يهودي مايديرها " وننسى أنه من المستحيل أن تتجاوز فرضية معاكسة حنجرة يهوديّ ولو خطأ ولو أصيب بزهايمر عقائدي.. نعود من الحجّ كما ولدتنا أمّهاتنا لنتلطّخ بالوحل مرة أخرى و نحلم بحجّ آخر ينظّفنا من جديد ! غدونا نصادف كثيرا من الملحدين يلوكون بإتقان الأحاديث والآيات القرآنية، ونجد بالمقابل كثيرا من المسلمين بالكاد يحفظون السور الصّغيرة.. ندفع مالا لنشاهد فيلم رعب يمنحنا كوابيسا مرتّبة ليلا ونشاهد باستمتاع الدماء تتناثر في حلبة الملاكمة ونتتبّع لعبة مصارعة الثيران الاسبانية التي ثبت أن لديها عمى ألوان! نؤمن أننا من دون صحّتنا لا شيء، لكننا نأكل أطعمة نعلم أن بها موادا مصنعة وملوّنة ومسرطنة .. ونشتري من الصيدلية مكمّلات غذائية و ڤيتامينات ونتركها في الأغذية الطبيعية، صار الأكل غير الصّحي بنظرنا أمرا عاديّا وأسمينا الأكل الصّحي ريجيما! وانتشرت أيام عالمية غريبة بالرّزنامة العالمية، فظهر اليوم العالمي للتواضع بأواخر فبراير ويوم الأقارب بمنتصف مايو ويوم المسامحة بنهاية يونيو، وكأنّنا نحتاج يوما عالميا لنتواضع وآخر لنصل أقاربنا وآخر لنُسامح ونعفو، وكأن الصفات الراقية والأخلاق النقية باتت تحتاج هي الأخرى يوما لتحيى به .. انقلبت المفاهيم وبات الأصل استثناء والاستثناء أصلا اعتدناه، لذلك فإن حصل وصادفت شرطيّا نزيها استغربت وإن التقيت محاميا صادقا استعجبت، وإن خدمك إداريّ غير مرتشي كفرت بانتهاء زمن المعجزات وإن درسك أستاذ ذو ضمير شيّدت له في داخلك قصورا من الامتنان.. عرّينا الصفات الجميلة التي تميز الإنسان عن الحيوان، و هاهو الساخر الأمريكي مارك توين يقول : " الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يخجل لأنه الوحيد الذي يفعل ما يُخجل " و هاهو الفيزيائيّ والمفكر العراقي جمال حسين علي يؤكّدها فيقول :" هل رأيتم كلبا فعلها، هل سمعتم بخنزير قام بها ؟ وحده الإنسان يضحك عليك عندما تسقط في حفرة، أو تنزلق في وحل أو تغوص بمستنقع بدلا من أن يمد يده إليك"، بالحقيقة يا سيدي ما عدنا نضحك فقط لقد صرنا نوثّق ذلك صوتا وصورة بهواتفنا الذكية ! إنّ سماجتنا وفراغنا الوجوديّ بهذا الكوكب يتضخّم، إننا نتكاثر بشكل مخيف.. وفي الختم ..، إننا نحتاج أن يقوم القذافي من قبره ليذكّرنا بفلسفته العميقة: من أنتم

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة