مستحضرات تشويه !
عبد الفتاح عالمي
لماذا تأخذ النساء صورا لهنّ بفم معوج أو لسان متدلّ أو سحنة غريبة، وهل سيفهم الاسكتلندي "بيل" مكتشف شلل "العصب السابع" أنها حالة مزاجية مزمنة بين نساء هذا القرن أم سيظنها عدوى ڤيروسية، ولماذا قد تتكدّس الواحدة منهن في سروال يحتاج ارتداءه مبرهنات رياضية معقدة وتضع بقدميها ناطحة سحاب تختزل بها تشكيلة طه حسين في "المعذبون في الأرض"؟ و من هذا الذي كذب عليهن وأخبرهن أن الأخضر والأحمر فوق الجفن ألوان زينة، ولماذا يرسمن شامات سوداء ويلصقن رموشا اصطناعية ويجعلن شفاههنّ كالنقانق الألمانية؟ وأي سخف هذا الذي جعل بيننا من يعاندون حركات محسوبة على ذوي الاحتياجات الخاصة، وكيف ترفض بعضهنّ أن ينعتوها سلعة وتقدم نفسها لمن حسابه في البنك أكبر، ثم تكره أن يشبهوها بالدّمية وتجعل من وجهها مشتل ألوان صناعية يزهر في كل مرة أكثر؟ ولماذا تمنح الرجل فرصة استهلاكها وتبكي بعد ذلك منه استغلالها، وكيف يكون بأصبعها خاتم سليمان فتحيّر بدهائها وغنجها أحفاد آدم وإبليس، وعند أول كذبة ذكورية في جمالها تصير أحق بذيل القائمة بمقياس الذكاء لـ"ستانفورد بينيه".. لماذا يعاند البعض منهنّ طائر العقاب على مخالب أطول ومن أقنعهنّ أن طلاءها بالأسود أو الأصفر يجعل أيديهنّ أجمل؟ ولماذا تصبغ بعض النساء وجوههنّ ببعض المستحضرات حتى يشك من رآهنّ أن سطلا من الجير قد سكب عليهنّ، و الأهم من ذلك كيف تكون علاقة بعض النسوة بالمرآة حميمة ولا يلاحظن أن عنقهنّ فضحهنّ حين أفلت من الجريمة كما يفلت متعمّدا عنق "الغييشا" اليابانية من التبييض.. وإن حذفنا الواقع وجبرنا بخاطر "جون غراي" وظللنا بكوكب الزهرة وظلّت النساء بكوكب المريخ، أكنا سنرى هذه الحفلات الاستعراضية وهل سيكون لمستحضرات التجميل هذه الحظوة؟ أكنا سنسمع عن عمليّات تجميل وشفط دهون ونفخ بالبوتوكوس وحشو بالسيليكون ؟ أم كنا سنرى نساء سعيدات في كل مكان وقانعات بأشكالهنّ وحسب! ما الداعي لكل هذا العناء وما القوة الكونية التي تجعل اهتمام بعض النساء بمظهرهن متبوعا بهذا الإغراق والاستغراق ؟ هل الجمال مشروط بهذا العبث، وما ذنبه إن ابتلي بقصر نظر بعض من الجنس غير اللطيف وميوعتهنّ .. لماذا صارت معظم النساء مصنّعات ومتوفّرات في كل مكان، وكيف غدت مستحضرات التجميل من أساسِيات الحياة بعد أن كانت لمُتعها الخاصّة، ومتى سنسمع عن مستحضرات تجميل للروح والفكر والأخلاق ؟ وفي الختم..، لقد ضيّعنا سرّ الوجود وما اكتحلنا بجماله وأفسدتنا الأهواء فما نفعنا الماكياج بأصباغه، ورحل عنا الحياء فتكفّلت البودرة بأسراره!
