أيام الصِّبَا
رضوان بنصار
كثيرة هي الأشياء الجميلة التي علقت بأذهاننا ونحن في حداثة سننا ، كم هي لحظات حميمية وعاطفية عشناها مع ذوينا وأقاربنا منحتنا في كبرنا جرعات الأمل ، وبثت في نفوسنا الرحمة والشفقة ! كان كل همنا وشغفنا، ونحن صغار، الاستمتاع بأوقاتنا، بكل ما أوتينا من رشاقة جسم ، وصفاء ذهني ، كنا نختلق السعادة من لا شيء ، نبني القصور والقلاع برمال الشاطئ فيكبر الحلم في أعيننا بمعانقة غرفها الفسيحة ، والاسترخاء في فنائها المنفتح على الأنوار الربانية، ذات يوم ،نصنع بأناملنا ،وبوحي من خيالنا ،أنواعا من السيارات والدراجات بأدوات بسيطة، معدنية كانت أو خشبية أو بلاستيكية ، فنجوب الأزقة والدروب بدحرجتها وجرها بلا كلل ولا ملل، كنا نسرد القصص والحكايات من وحي خيالنا تارة ،وتارة أخرى نستحضر النصوص القرائية التي ذاع صيتها آنذاك ،كنا نجعل من عتبات أبواب مساكننا وأفران حينا خشبات مسرحية، نقلد على بساطها شخصيات فكاهية الأكثر شهرة في ذلك الحين ،أو نلتفت لشخصيات الحي التي كانت لا تفتر عن مطاردة شقاوتنا ،صباح مساء، فكنا نطلق العنان لقهقهاتنا المبالغ فيها إلى أن تميل أجسادنا ملامسة الأرض، كنا نرتمي في أحضان أسرنا وجيراننا ، إن أصابنا سوء ،أو حين يخيم نوع من الفتور على علاقتنا نحن - الصبية - كنا حريصين كل الحرص على التفاعل مع المناسبات الدينية والوطنية ، ولكل مناسبة بالنسبة إلينا طقوسها واستعداداتها ، ونذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر، شهر رمضان المعظم، الذي كنا نتشوق ونتسابق لرؤية هلاله بالعين المجردة من على أسطح المنازل ، أو متابعة نشرة الأخبار المسائية لتزف لنا خبر ثبوت رؤية الهلال من عدمه، وفي حالة ثبوت رؤيته يُرفع آنذاك صوت“ الغَيْطَة “ ، يليه مباشرة ارتفاع أصوات “ زَغَارِيد “ نساء الحي إيذانا بحلول شهر التوبة والغفران ، وقبل هذا الإعلان، الذي كانت له نكهة وطعم خاصين بالنسبة لكل صبية الحي ، تسبق ذلك الحدث استعدادات أسرنا وساكنة الحي قاطبة، على قدم وساق، في سباق مع الزمن لاستقبال شهر رمضان في أحسن حلة ، وذلك بتحضير“ الشْهِيوَات“ الرمضانية من“ شْبَّاكِية ومُمَلَّحَات “ ليمتد الأمر إلى تبليط البيوت والأزقة في جو روحاني بهيج ،أما نحن - الصبية -فاستعداداتنا كانت تأخذ أشكالا عدة تتناسب مع اهتماماتنا الطفولية، التي كان يطغى عليها المرح والدعابة في جل مراحلها، حيث كنا نقلد ونحاكي“ طّْبَّال “و “نّْفّْار “ الحي، وذلك من خلال إعداد وصناعة تلك الآلات المعتمدة في تذكير الساكنة بدنو موعد السحور، بالإضافة إلى اقتنائنا لأداة الطهي الأكثر شهرة وحضورا في ليالي رمضان وهي “ التَّاكْرَة “،التي كنا نستغرق نصف يوم لإعدادها ونحن عصبة، وهذا حتى يتسنى للجميع الافتخار والتلذذ بما صنعته أنامله، كما كنا نحرص كل الحرص على أداء صلاة العشاء والتراويح جماعة بالمسجد، في شكل تنافسي من أجل إتمام كل الركعات، ليخلو لنا الجو بعد ذلك لمتابعة دوريات كرة القدم بأحيائنا حتى ساعات متأخرة من الليل ، وقس على ذلك من المناسبات السالفة الذكر، التي كنا نحترم مواعيدها، و نرغب في الاستمتاع بجل أطوارها أطول مدة زمنية ممكنة.
فمن ايجابيات هذا التفاعل الطفولي مع الأحداث و مع الواقع المعاش أيام الصبا ، أننا صقلنا مواهبنا ، وارتبطنا ارتباطا وثيقا بأسرنا وبمحيطنا ، كما حافظنا على قيمنا الاجتماعية والوطنية والدينية ، التي ساعدتنا على التنشئة الحسنة ، بالإضافة إلى أننا تحلينا بروح المسؤولية، لكن ما يحز في أنفسنا اليوم هو ابتعادنا كل البعد عن ثقافتنا الشعبية وعن عاداتنا وتقاليدنا التي تَمَيَّزنا بها عن باقي الشعوب والأجناس البشرية الأخرى، كما أن طفولة اليوم أضحت مكلفة وتخضع لمعايير عولماتية وتكنولوجية، لم يعد الطفل فيها قادرا على استخدام ذكائه الفطري ،وبالمقابل يتم إعدام روح المبادرة والعزيمة لديه، إلى درجة
أصبحت حركات وسكنات أطفالنا متحكم فيها عن بعد، وفي نفس الوقت تظل ثقافة الصورة والمشاهد المرعبة والألعاب الإلكترونية ضاغطة على مخيلتهم لا تترك لهم مجالا للتفكير والتحليل والتفسير، وبالتالي يصير أطفالنا عبارة عن جمادات لا تحرك ساكنا ، أو كائنات طبيعية مَفعوُل بها وليست فَاعِلة وفَعَّالة، لذا وجب علينا أن نوفر الحماية الكاملة لفلذات أكبادنا ، حتى نساهم في نموهم نموا طبيعيا لا يخضع لضغوطات مادية وتكنولوجية، ونحاول قدر الإمكان أن نستحضر معهم أيام صبانا المشرقة، إلى حد ما، التي أخذت من البساطة والامتثال لضوابط الأسرة والمجتمع عنوانا لها.
