أن تُحبّ وطناً مريضا

أن تُحبّ وطناً مريضا

عبد الفتاح عالمي

 

صعب حدَّ الإبتلآء أن تكون مُغرما بوطن مُنهك، تتأمله فتكتشف أنه غير قادر على مُبادلتك الحبّ .. تجدُه قادرًا على كل شيء إلاّ على أن يكون كتفا فتضع رأسك عليه وتُفرغ أثقالك عليه وتُنشد النشيد الوطني وأنت تضع يدك على قلبك من الامتنان والوصل إليه.. أن تكون مُلطّخا بحبّ وطن مريض، معناه أن تكون مُستعدا للوقوع في حبّ مُستحيل، أن تكون مُستعدّا لاستبدال ماء وجهك ببعض الوحل وأن تضع على عاتقك تحمُّل ويلات الحبّ من طرف واحد .. أن تكون متورّطا بحبّ الوطن معناه أن تلعن جفاءه بداخلك وتُعلن على كلّ من يتطاول عليه أمامك حربا أشدّ ضراوة من حرب البسوس، معناه أن تهجُوه كما كان يتهاجى جرير والفرزدق، و ترثيه كما رثى جرير وفاة الفرزدق ! أن تكون مُدانا بحبّ الوطن معناه أن تضع آمالك جانِبًا وأنت تشاهد أن أحلامك تتقلّب بين لفح اليسار وحلف اليمين .. و أنّ تكتشف متأخّرا كتلميذ غبيّ أن اللعبة لا تحتاج نهاية لأنه لا قواعد تحكم البداية فيها من الأصل.. ولأنّ حبّ الوطن جُرم حلال ولأنّ صدق أحزابنا لا يحتاج التزكية بشهر أبريل ولا الوعود على طريقة القدِّيسين.. ننام على أمل ونستيقظ لتخبرنا سكرتيرة الوطن أنه ذهب في إجازة مفتوحة، وأنّ انتظاره واجب قوميّ .. فالوطن عندنا ليس حدودا جُغرافية ولا رُقعة مشروعة على الخريطة ..، إنّه شيء يختلطُ بمرارة بحمضنا النّوويّ ويصير سُكّرا معقّدا حين نرضعُه من أمّهاتنا دون أن ندري أن لا طُعم له وأنه لذيذ رغما عن كل ذلك .. إنّ حبّ الوطن داخلنا غريب، إنه حتى لا يستجيب لقوانين المنطق ولا لجاذبية المعنى في علم الجيولوجيا الحديثة .. إنّ الدهشة من هذا الوطن استثناء لأنك لا تستطيع أن تُغمض عينيك راضيا عنه ولا تستطيع أن ترحل بنفس الوقت تاركا إيّاه وراءك ..إنه يسكن مناطقا مأهولة بداخلك ويلتصق بعناد يسار صدرك... رغم أنّه يُسجّل باستمرار الرّيادة في رصيدك من الخيبات .. دوما ما كنت أتساءل كيف يُمكن أن أقع في حبّ وطن لا زال المُواطن بالشارع يقع بالحُفر بسببه ؟ لم يدرّسونا بالمدرسة تراجيديا الوقوع ولا الدّراما حين يصاب الوطن بوعكة صحّية، لقّنونا فقط طقوس الولاء للوطن ..و أحيانا كثيرة كنت أنصت للنشيد الوطنيّ وأضيع باحثا عن شيء لآ أفهمه فيه، كانت أستاذة اللغة العربية بالصفّ الابتدائي تنهرني أن أُنشد ككلّ التلاميذ بجانبي ..ويوما أخبرتُها أني أحفظُه لكنّي لا أفهمه، حملقت فيَّ بدهشة خمسينيّة وأفهمتني أنّ المُهمّ إنشاده لا فهمه ..

جاءت الأولمبيات وربح هشام الڭروج وكان يبكي والنَّشيد يُدوّي، ظننتُها فرحة الفوز أو رُبّما كرونولوجيا اللحظة .. كبُرت واكتشفتُ بعدها أنّنا قد نبكي من حُبّ الوطن كما قد نبكي من خذلان الوطن .. وأن تجدك لازلت تُحبّ الوطن رغم أنك تقيّأته وأحييت حدادهُ ودفنته في أبعد رُكن بداخلك ..معناه أنّ الوطن محظوظ بك ! وفي الختم ..، لحُبّ الوطن حضور شاهق.. لن يرثه أحفادك من بقاياك الجينيّة ولن تُدركه أبصار الخونة ولا بصائرُ قشدة المجتمع المُكتنز بحسنات الكوليسترول ..حبُّ الوطن خارج عن كل التعقيدات اللغويّة لمُركّباته .. هو الخطيئة والفضيلة بالآن ذاته، هو الامتداد الحيّ لذلك البخور الذي يتحلّل في الهواء فلا تملأُ خياشيمنا سوى رائحته

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة