لأنك عالق بين الكبد والطحال

لأنك عالق بين الكبد والطحال

عبد الفتاح عالمي

 

لقد اختفيت واختفت المدرسة ولا زلت لا أعلم ما هذه القوة التي تجعلني أكتب لك يا رفيقي وأترك البحث فيما استجد عن وباء الحمى القلاعية وما استحدث بعد فضح هيرمان كوتير لتصدير الاتحاد الاوروبى لأغذية سامة، وعن جدوى سماع معزوفات فاغنر في أوبرا سان كارلو لمرضى الاضطراب ثنائي القطب ومرضى التوحّد.. هناك شيء وفيّ يستثيرني لأستحضرك كلما أردت شتم البديهيات وتعديل لهجتي لتمجيد اليخضور وعصير البطاطا الحلوة والكتابة بجدّية عن حكومات تراسلنا من الجحيم، إنك تقف بالوسط كخط برانت الغير العادل تارة وكسفير للنوايا الحسنة تارة أخرى! وبعيدا عن كل دروس المنطق التي رسبت فيها آخذ على عاتقي الاعتراف هذه المرة بأنك غصة غير مكتملة، تتفشّى في حاضري ككتيبة ماسخة من حبّ الشباب أريد أن أتخلص منها فأفسد الأمور، هل ذلك يشبه الأشواك التي تفسد شهيتي لسمك الشّرن؟ حسنا.. لا أريد أن أقحم السمك بيننا، ثم إن أشواكه ليست هي السبب إنها مؤخرة ذيله التي تشوّه لهاثي كما يسلقها تذوقي لشوربة أمي قبل أن تضعها على المائدة.. أجتاز من جديد أطلال الإعدادية التي كنت تنوي حرقها حين امتلأ ملفك بالغياب فأتذكر ذلك اليوم بالاستراحة لما أخبرتني بحزم أن واجب الصداقة يحتّم علي أن أكون شريكك، وضعت خطة سريعة، بنزينا وقفازاتي الصوفية وأعواد ثقاب بخمسين سنتيما، كان يبدو كل شيء سهلا تماما كلقطة أكشن من "شانيل تو"، كنا نرتب للأمر قبالة الإدارة وكنت أدعو في قرارة نفسي أن يعفينا زلزال من الأمر حين فاجأت أفكارنا الحارسة العامة التي كانت تلبس دوما تنورة طويلة لتخفي ساقيها النحيلتين كما كانت تفعل بنات الملك لويس السادس عشر، كانت نظرتها لي لا تحتاج مُكبّرة ولا ترجمانا لأفهم أنها خيبة أمل، والإثنا عشر يوما ونصف التي ذكرتك بغيابها لا تجعل من إحراق الإدارة اختفاء لكل ما يدينك..كان هناك مخلوق يسبب مجرد تنقله في الساحة مغصا لمعظم التلاميذ ولم يكن من السهل أبدا التخلص منه.. أحضرت والدتك وحصلت على جواز دخول للقسم ومراقبة مشددة.. من يومها و أنا أسمعك تدعو بمزح أحيانا وبجد أحيانا أخرى أن تتهدّم تلك المدرسة، فهل استجاب الله لك؟ أم شاءت الأقدار أن تزيح تاريخا جميلا عجنّاه هناك معا.. صحيح، مرات كثيرة أفكر في التقاعد حين أبلغ الثلاثين، سأرحل لمكان بعيد عن حمقى المدينة، سيكون اللعب والكتابة إليك ومراقبة أمي تضيف أعشابا للخبز من متع الحياة.. أبي سيكون منشغلا بتربية الدجاج وتلميع نقود الموحدين والرومان ونحث قطعه الخشبية..سأطلب منه أن ينحث لي شاهدا عليه اسمك الذي نطقته يوما خطأ فصار اسمك المستعار، لكنني أخاف أن يسألني عنك، أأخبره أنك الفتى الذي طلب مني يوما أن أبتعد عنه حين أرته المديرة ملف غيابك أم أختلق كذبة تغنينا عن كل ذلك؟ هل كان سيحبّك حين يعلم أنك كنت تترك دروسك لتزور والدك خفية أم سيكفيه أنك تحت الأرض لأصاحبك بسلام بعيدا عن الشبهة ؟ و في الختم..، هل سأنساكِ؟ و هل معنى أنك لا تقرأ أني سأتوقف عن الكتابة عنك للأحياءِ؟ إنك عالق بين الكبد والطحال، إن ذكراك ستظل منتصبة في داخلي كصنانير الخيزران بنهر دجلة وكسرّ مهيب أفشاه العثمانيون فخبّأته النساء بحقول أرمينيا للذكرى..

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة