الإيديولوجيا: إشكالية التعريب، والفهم المغلوط للمصطلح !!
خليل البكراوي
هجرة مفهوم الإيديولوجيا من قاموس فلسفة الغربية إلى الفلسفة الشرقية عن طريق فعل التعريب مع الحفاظ على نفس الأصوات المشكلة للكلمة، لم يستوعب بعد فهمه حتى يتم توظيفه بطريقة صحيحة في الحقل الثقافي والسياسي بما فيها بعض الإستعمالات الأكاديمية نفسها، فعادة ما يتم إستعمال هذا المصطلح بصيغة حرفية كإشارة لعلم الأفكار أو إلى مشروع فكري لمؤسسة حزبية، نقابية، جمعوية (...)، ومدى تصورها للواقع، فتم إفراغ المفهوم من محتواه ومعناه الدلالي الذي إرتبط به في البيئة التي نشأ فيها، وقِـيل فيه العديد من الأطروحات التي فصّلت في معناه أنذاك؛ من حيث هو تزييف للوعي وقلب للحقائق.
ومسألة إشكالية التعريب، ليست مسألة وليدة اللحظة، وإنما لديها جذور في تاريخ الترجمة العربية للفكر والنقد اليوناني، حيث جعلوا من غرض المدح في الشعر العربي مرادفاً للتراجيديا، و غرض الهجاء مرادفاً للكوميديا، وتطويع كرهاً مصطلحات أجنبية مع طبيعة الثقافة العربية، ليتم فيما بعد الإستغناء عن هذه الترجمة، وخلق ترجمة جديدة للمصطلحين.
ولعل من بين الأطروحات المهمة التي تطرقت لمفهوم الإيديولوجيا نجد الفيلسوف كارل مانهايم المتخصص في علم الإجتماع المعرفة في كتابه "الإيديولوجيا واليوتوبيا" حيث يعتبر أن الإيديولوجيا نوع من الكذب المبرر و " إظهار الظروف الواقعية للمجتمع بشكل مغاير، وإثبات ذلك (...) للآخرين" و إقناعهم بحقيقة مصطنعة كحقيقة ذابتة، أي كذبة بسيطة كما يسميها مانهايم، حيث يصدرها المرسل فيتم تصديقها من طرف المرسل إليه نتاج "خطأ ناجم عن منظومة الفهم المنحرفة". وفي نفس السياق تماما يذهب طرح كارل ماركس معتبراً إياها مجرد قلب للحقائق وتزييف للوعي في كتابه "الإيديولوجيا الألمانية" الذي يقر فيه أن العيش هو الذي يحدد الوعي وليس العكس، معتبرا أن ما يتم تسويقه من أفكار حول طبيعة العيش مجرد صورة مقلوبة رأسا على عقب تماما، ولا تعكس أبداً الحقيقة، و مجرد وسيلة من وسائل الهيمنة لفئة على أخرى، فالبنية التحتية/الظروف هي التي تحدد البنية الفوقية/الفكر. و يفصل في هذا الأمر بشكل أكثر الفيلسوف بول ريكور المتخصص في علم التأويل حيث يرى أن الإيديولوجيا تضطلع بثلاث وظائف أساسية ومهمة وهي: تزييف الحقيقة، الإدماج، التبرير، فالأولى تقدم حقائق مقلوبة، ومعطيات مغلوطة عن الواقع قصد تزييف الوعي، وتقبل الأمور بشكل عادي، والثانية أي وظيفة الإدماج فهي تعمل على إدماج جميع الأفراد داخل منظومة إجتماعية، و تكوين ذاكرة جماعية خاصة بهم ، أما الوظيفة الثالثة فتقوم بالفعل التبريري لكل المخططات والمشاريع السياسية، وإضفاء عليها طابع المشروعية.
إذن من خلال الأطروحات السابقة لكل من كارل مانهايم و كارل ماركس و بول الريكور، نستخلص أن الإيديولوجيا لها دلالة مختلفة تماماً عن معنى الترجمة الحرفية للمصطلح كعلم للأفكار أو مشروع فكري أو سياسي كما هو متداول عندنا في القاموس اللغوي الذي يستعمله كل من المثقف و السياسي، وإنما هي جهاز من الأجهزة (...)، تعمل على تزييف الوعي و قلب الحقائق في ظل غياب يقظة الوعي، ونباهة العقل في التعامل مع الحقائق الجاهزة التي يتقبلها دون نقد، و دون تفحيص ولا تمحيص.
