هذا هو السر في أطروحة الإستثناء المغربي

هذا هو السر في أطروحة الإستثناء المغربي

خليل البكراوي

 

 

يشهد المغرب حاليا تطورا إيجابيا إلى -حد ما- ، و تحسنا ملموسا على صعيد شتى المجالات ، وذلك بفضل سياسته الحكيمة و الرشيدة في تدبير العديد من الملفات الحارقة ، و إطلاقه لمشاريع و أوراش إصلاحية كبرى سواء على مستوى قطاع الصحة ، التعليم ، الشغل ، و محاربة الفقر و الهشاشة (...)، على خلاف تام تماما على ما تشهده المنطقة العربية من توترات و تصدعات على مستوى بيوتها الداخلية ، و خصوصا تلك التي تماهت و انخرطت بكل قواها في تمثيلية مأساوية إسمها "الربيع العربي" ،فكان ما كان من قتل و تشريد و تجويع و حروب طائفية ، و لا زال الوضع مستمر ، و يبشر مع كامل الأسى والأسف بالأسوأ في ظل الخلافات السياسية ما بين الدول التي كانت تعتبر قدوة و مثال بالمنطقة العربية حتى وقت قريب ، فعوض أن يحصل تكتل فيما بينهما لإيجاد الحلول المناسبة ، و إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، و تقديم يد العون و المساعدة للدول العربية المجاورة لهم، قصد إنقاذ أهاليها من كوارث إنسانية محققة ، فإنهم وضعوا العصى في عجلة الوحدة و التكتل ، و قاطعوا بعضهم البعض أمام دهشة و استغراب المنتظم الدولي، وما خفي من حكاية الخلاف أعظم.

هذا ، و بالرغم من الطفرة النوعية التي يشهدها المغرب ، فهناك حركات إحتجاجية تقودها هيآت المجتمع المدني ، و حركات أخرى عبارة عن تنسيقيات ، و هذا أمر طبيعي و إيجابي ، و يساهم بشكل أو بآخر في لعب دور رقابي من أجل التسريع بوثيرة الإنجاز بعض المشاريع أو إطلاق أخرى ، و كذا تحريك المياه الراكدة على مستوى بعض القطاعات حتى تأخذ مجراها الطبيعي .

و ظهور مثل هذه الحركات الإحتجاجية بشكل كثيف تزامن مع بداية "الربيع العربي" ، فظهرت حركة تسمى بحركة 20 فبراير يتزعمها شباب في قمة الوعي السياسي و التكوين الجمعوي والحقوقي ، و طالبوا بكل هدوء تام ، و نضج في النضال بمجموعة من الإصلاحات توزعت بين ما هو إجتماعي ، سياسي و إقتصادي ، فكان التجاوب معهم بشكل سريع عن طريق خطاب ملكي، وُصِـف بالخطاب التاريخي أنذاك ، حيث نصَّ نص الخطاب على مراجعة للدستور من طرف لجنة لها خبرة ودراية بفقه القانون الدستوري بتشاور " مع المنظمات الحزبية والنقابية ، ومع الفعاليات الشبابية ، و الجمعوية والفكرية والعلمية المؤهلة ، و تلقي تصوراتها في هذا الشأن " كما جاء في نص الخطاب الملكي. وهكذا كان ، و تمت الأمور بشكل سلس، و بعد هذا، تمت الإنتخابات بشكل ديمقراطي وشفاف ، أفرزت حكومة جديدة (...)، إشتغلت على قضايا إجتماعية و إقتصادية ساخنة تهم المجتمع ، واتخذت قرارات جريئة في هذا الشأن ، كانت لها تداعيات وطرحت عدة تساؤلات، لكن سرعان ما تفهموا الوضع ، والسياقات التي فرضت ذلك ، و عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العامة، الكل يتنازل عن المصلحة الخاصة. فمرت خمس سنوات، و انتهى عمر الولاية الحكومية الأولى في عصر الدستور الجديد ، فجاءت إنتخابات 7 أكتوبر 2016 التي أفرزت بدورها حكومة جديدة بالرغم من حالة التوتر و الصراع الذي عرفته المشاورات لتشكيل هذه الأخيرة. لكن في نهاية المطاف إنتصر صوت العقل و الحكمة ، و جميع الأحزاب المعنية بالأمر قدمت تنازلات (...) ، فحصل توافق سياسي وفق طاكتيك حزبي خاص تمثل في خطة اللعب الخاصة بكل حزب ، و علاقته مع باقي الأحزاب ، فتم تشكيل الحكومة ، و تعيين الوزراء (...)، و هي الآن تباشر عملها بشكل طبيعي و سلس.

لكن هذا ؛ لا يعني نهاية الفعل الإحتجاجي بالمغرب ، بل لا زال مستمرا كما كان قبل هذه الحركة نفسها ، و شعاراته تتأرجح ما بين الفعل الرقابي إلى - حد ما - قصد ربط المسؤولية بالمحاسبة ، و بين الرغبة في المزيد من الإصلاحات الإجتماعية و الإقتصادية ، وهذا أمر إيجابي طبعا ، غير أن بعض الحركات الإحتجاجية قد تزيغ عن مطالبها الإجتماعية العادلة نتاج مواقفها الراديكالية (...) قد تستدعي في بعض الأحيان مقاربة أمنية تتم بشكل هادئ حفاظا على الأمن العام ، فتعود الأمور إلى طبيعتها.

ولعل من بين الأمور التي ساعدت المغرب في تدبير مجموعة من الأزمات ، و إيجاد حلول لها ، و تخطيه بسلام لكل خطر مفترض ؛ هو نهجه لسياسة الرأي و الرأي الآخر ، و عدم التفرد في اتخاذ القرار ، و فتح باب الحوار مع جميع هيآت المجتمع المدني من أحزاب ،نقابات و جمعيات (...) ، و إشراكهم في الأمر قصد إيجاد الحلول الناجعة والناجحة أيضا ، و هذا هو السر في أطروحة الإستثناء المغربي .

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة