حالة نفسية

حالة نفسية

نعيمة أبو زيد

 

لطالما نصادف أشخاصا في الشارع، شاردو الذهن ..غائبون عن الحضور .أعينهم هادئة. يبدو لك الأمر من الوهلة اﻷولي أنهم في سكينة وهدوء، تنظر إليهم فتحس أن أعينهم ليست طبيعية، بها حزن عظيم، تحس أنهم يقاومون حزنهم لكي لايظهر على تقاسيم ملامحهم . هكذا كان هذا الرجل ذو الملامح الجميلة بالرغم من تقاسيم الحزن في وجهه إلا أنه يملك ابتسامة طفولية بريئة. حين يصادفك ينهال عليك بسؤال عن أحوالك ويضحك معك. كل من في الحي يعرف أنه صاحب الكرم ويده ممدوة إلى الخير دائما. لا يخرج من بيته إلا إذا كان في قمة أناقته فهو دائما يقول:

 

" إن حسن المظهر وحلو الكلام والأخلاق هم سر الثقة في النفس . ولا ينبغي للمرء أن يكون في هيئة غير حسنة لا تريحه"

 

هكذا يظهر لناس، لكن لا أحد يعرف ما يعانيه هذا الرجل سوى صديقته المقربة. هو يتعايش مع حالته النفسية التي شخصها له طبيبه على أنها نوع من انفصام الشخصية الناذر. يحاول جاهدا أن يتملص من هده الحالة التي حين تأتيه تجعله يقع أرضا مغميا عليه من بعدها لا يمكنه أن يتذكر حواره أو الأشياء التي يشاركها مع الأشخاص قبل أن يقع أرضا مغما عليه. حين يستفيق يكون بحالة يمكن القول عليها سيئة جدا. لك أن تتخيل أنك تستمتع بحياتك تمارس الأشياء المعتادة لك يوميا. تستمتع قرب شخص قريب لك وبحبه لك وفجأة تسقط أرضا ولا تتذكر شيئا لا تعرف وقتها ماذا تفعل حيال ذلك، تشعر بالخنق، تنفسك ببطء، تحاول أن تتنفس وأنت لا تستطيع، تشعر بدوار شديد من بعدها اكتئاب حاد لفترة طويلة يجعلك تشعر بالموت وبرغبة في الابتعاد عن محيطك هذا كله كان يشعر به هذا الرجل وحده دون أن يحس به محيطه. فلا يخفيكم الأمر أن مجتمعنا مجتمع لا يتقبل ولا يتفهم هذه الحالات ولا يبذل مجهودا حتى كأن يدعمهم معنويا.

 

ولكنه كان محظوظا، فقد ساندته صديقته معنويا. تقبلته كما هو. هي لا تراه ناقصا، بل تراه شخصا كاملا جدا يملك قلبا طيبا جدا يساعد كل من حوله. لايملك حقدا تجاه أي أحد بل يقابل الإساءة بالحسنة، كان يملك صوتا جميلا. حينما ينبري لمبادرات خيرية يقوم هو وصديقته بإدخال الفرحة على الأطفال المتخلى عنهم بتجهيز حفلة لهم والغناء معهم. صديقته كانت له الملاذ له في حالته السيئة في معاناته مع مرضه النفسي، تعيش معه تلك الحالة منذ أن أفصح لها عن مرضه وبنوعه.

 

ترافقه دائما إلى طبيبه النفسي يشاركان مع بعضهما كل شيء. كانا خير مثالين لصديقين يحبان بعضهما دون تلك المصالح التي غالبا ما تعتري العلاقات العابرة.

 

في آخر المطاف علينا أن نتعلم أن نتقبل الآخر بمرضه وبمشاكله وأن نسانده وبالخصوص في مثل هذه الحالات حيث تكون الكلمة الطيبة خير مساندة لهم .

 

لا يجب أن نتخلى عنهم في مواجهة مرضهم . الحياة قصيرة جدا كلما أدخلت السعادة على أحدهم كلما أحسست بأضعاف تلك السعادة التي شعر بها. فبالحب نحيا وتحيا جذور إنسانيتنا قبل كل شيء.

 

لا يجب أن نترك ذواتنا تنصاع للأنانية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

*
*
*
ملحوظة
  • التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
  • من شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات

المقالات الأكثر مشاهدة