حكايتنا مع السلطة
عبد اللطيف مجدوب
السلطوية وبنية العقل العربي
يزخر التراث السياسي العربي الإسلامي بألوان شتى من صور ولع الإنسان العربي بالسلطوية والكلف بها إلى درجة الهيام ، واستعداده للتضحية بالغالي والنفيس في سبيلها ، وفي آن تدمير كل شيء تنقيبا عنها واحتضانها . وقد ضرب الحاكم والوالي والأمير أروع القصص التراجيدية ؛ في تعاملهم مع شعوبهم ؛ بقسوة وفظاعات بقيت مضرب الأمثال في العض بالنواجد على السلطة ، مهما كان الثمن حتى ولو بإبادة شعب بأكمله !
على أن السلطة كانت وما زالت تتداول بمفهوم خسيس وسلطوي قاهر ؛ أشبه بالعلاقة السائدة بين السادة والعبيد . ولعل السلطة ؛ بهذه الحمولة الضاربة في جذور القهر والاستعباد ؛ كرستها عديد من أنظمة الحكم التي توالت على دول وأسر حكمت البلاد ؛ بدءا بالأمويين والعباسيين ، مرورا بالعثمانيين إلى أسر ما زالت لها اليد الطولى في بسط نفوذها ، وإن كانت تبدو ؛ في الأبجديات الظاهرية ؛ مقنعة بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية التعبير ... لكن أداتها الفعلية ؛ في مزاولة الحكم ؛ تظل في كثير من الأحيان ملوثة بدماء الأبرياء .
وقد لا نغالي إذا قلنا بأن مفهوم السلطة والسلطوية قديم في بنية العقل العربي ، تضافر في نقل "جرثوتها" إلى الأجيال كل من بنية الأسرة الصغيرة والكبيرة والمتمثلة في الحاكم وما والاه ، وهي ناشئة ؛ في عمقها ؛ عن التراتبية الفجة والسُّلم العسكري المتدرج ، وفي آن الفوارق الطبقية ، وطبقتي النبلاء والعبيد .
نماذج من السلطوية شبه مطلقة
احتفظ لنا التاريخ الحديث بنماذج سلطوية ؛ أصر أصحابها على التمسك بكراسيهم ، بغض النظر عن أعمارهم ، حتى ولو بلغوا من الكبر عتيا ، أو تحولهم إلى مجرد دمى ورموز ، لتظل الدوائر القريبة منها ماسكة بجميع خيوط اللعبة ، وبالتالي الاستفراد بالحكم المطلق ؛ ينهبون الثروات بلا حسيب ولا رقيب . وهناك في المقابل نماذج أخرى اغتنوا وراكموا الثروات بحجم الجبال والتلال ، لكن سرعان ما ركبهم الخَبل وسقطوا في "جنون العظمة" وصاروا يفكرون عنوة في توسيع إمبراطورياتهم المالية ، ومنهم من لم يتردد في فرض "المكوس" على الدول المجاورة ، بينما هناك حالات لسلطوية مفرطة في تمسكها بالكراسي حتى ولو كلفها ذلك تدمير كل شيء ، وأحداث الربيع العربي ليست ببعيدة عنا في تأمل الحكم السلطوي المطلق وتداعياته على أفراد الشعب .
حالات انتزعت منها السلطة !
يمور مجتمعنا المغربي ؛ وهو الذي تربى في أحضان السلطوية ؛ بحالات لأشخاص رافقتهم السلطة في تدرجهم الإداري الوظيفي ، وبقوا كذلك منتشين بالزهو والخيلاء ، لكن سرعان ما وجدوا أنفسهم منعزلين وعلى الهامش بعد أن أدركهم سن التقاعد وأحيلوا على المعاش . ويكفي في هذا الإطار أن نسوق حالات ثلاث :
* "شاوش متقاعد" ؛ لاحظ أبناؤه عقب تقاعده أن الرجل دخل في عزلة وحالة اكتئاب ، لم يعد قادرا معها على الظهور في الشارع أو مجرد القعود معهم . عرضوه على طبيب أجنبي مختص فوصف لهم الدواء التالي : " ... جيبو خابْيا دلْما .. حطّوها على الشارع ...أمام المارّة ... وضعوا كرسيا لأبيكم " نفذوا الوصفة ولا حظوا في أعقابها أن العطشى بدأ يكثر عددهم ، وتزاحم الناس على "الخابية" ، وفي تلك الأثناء قام الرجل (أبوهم) وجعل ينظمهم في شكل طابور ، مثلما كان بالأمس يفعل داخل الإدارة ؛ بدأ الناس يشربون بهدوء وانتظام تحت إشراف وأوامر الأب . لم تمر أكثر من ثلاثة أيام حتى كان الأب المريض عاد إليه نشاطه ، وملأ أوقاته بالماء والعطشى والماعون والصيف !
* "رجل عسكري متقاعد" برتبة عالية ؛ داخله شعور بالإحباط وهو يرى الوجوه الصديقة تتحاشاه ، بعد أن كانت بالأمس "تقرقب له السّباط" وتؤدي له التحية العسكرية . سألوه يوما ماذا أصابك ؟ أجاب بتأفف : " ... انتزعوا مني هيْبتي " ، لكن قائلا أفحمه : كيف وقد أبقوا لك على معاش مريح وأسرتك ولله ... قاطعهم : " ... ماكْرهتشْ إزوْلو لي 50% من هدا المعاش .. غيرْ اخلّيو لي الكسوا نمشي بها .. ويبقى لي الاحترام من عند العسكر .."
* "شرطي متقاعد" ، لكنه كان في تنقلاته بالسيارة يحتفظ دائما بمجلة متقادمة للشرطة مع قبعة/برنيطا ، يضعها أمام الزجاجة الخلفية ، ليتجرأ على ركن سيارته في كل مكان حتى ولو كان ممنوعا !
السلطوية ومآثرها
حتى ولو ذهبنا ؛ في البلاد طولا وعرضا ؛ سنجد أن أبرز الآثار التي بصمت الأنظمة السلطوية الشمولية لا تخلو من هذه المؤشرات :
- ارتفاع في وحدات السجون والمعتقلات السرية ، وحالات الاختفاء والاغتيالات ؛
- ارتفاع في نسب الأمية والجهل والجوع والمرض ، لتكدس الثروات في أيادي فئة قليلة ؛
- بروز الطبقية كنظام اجتماعي مهيمن ؛ تزداد فيه الهوة اتساعا بين الأغنياء والفقراء والمحرومين ؛
- انتشار الفكر الظلامي المتطرف .
أقوال عن حب السلطة
* " إذا أردت أن تعرف أخلاق رجل فضع في يده سلطة ثم انظر كيف يتصرف " ؛ ألبرتو مورافيا
* " أتعس أنواع السلطة هي التي تفرض عليك أن تتذكرها صباح مساء " ؛ همنغواي
